الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

471

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

وما أكثر العجائب في القرآن ؟ فكل بحوث معرفة الله والتوحيد - والتي وردت بصيغة الاستفهام الإنكاري - أشارت إليها هذه العبارة : أفي الله شك فاطر السماوات والأرض وهذه العبارة إذا أردنا تجزئتها وتحليلها بشكل موسع لا تكفيها آلاف الكتب . إن مطالعتنا لأسرار الوجود ونظام الخلقة لا تهدينا إلى وجود الله فحسب ، بل إلى صفاته الكمالية أيضا كعلمه وقدرته وحكمته . ثم يجيب القرآن الكريم على ثاني اعتراض للمخالفين ، وهو اعتراضهم على مسألة الرسالة ( لأن شكهم كان في الله وفي دعوة الرسول ) ويقول إن من المسلم أن الله القادر والحكيم لا يترك عباده بدون قائد ، بل أنه بإرسال الرسل : يدعوكم ليغفر لكم من ذنوبكم ( 1 ) . وزيادة على ذلك فإنه ويؤخركم إلى أجل مسمى كيما تسلكوا سبيل التكامل وتستفيدوا من موهبة الحياة بأقصى ما يمكنكم . إن غاية دعوة الأنبياء أمران : أحدهما غفران الذنوب ، بمعنى تطهير الروح والجسم والمحيط الإنساني ، والثاني استمرار الحياة إلى الوقت المعلوم ، والاثنان علة ومعلول ، فالمجتمع الذي يستمر في وجوده هو المجتمع النقي من الظلم والذنوب . ففي طول التاريخ أبيدت مجتمعات كثيرة بسبب الظلم والذنوب واتباع الهوى ، وبتعبير القرآن لم يصلوا إلى أجل مسمى . روي في حديث جامع عن الإمام الصادق ( عليه السلام ) قال : " من يموت بالذنوب أكثر

--> 1 - هناك جدل بين المفسرين في معنى " من " ، فقال بعضهم بالتبعيض ، أي يغفر قسما من ذنوبكم ، وهذا الاحتمال ضعيف لأن الإيمان يؤدي إلى غفران الذنوب كلها ( الإسلام يجب ما قبله ) واحتمل البعض الآخر أن " من " بدل ، فيكون معنى الجملة يدعوكم ليغفر ذنوبكم بدل الإيمان ، وقال آخرون : إن " من " هنا زائدة للتأكيد ، ومعناه : إن الله تعالى يدعوكم للإيمان ليغفر لكم ذنوبكم ، وهذا التفسير نراه أقرب إلى الصحة .