الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
330
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
رفع السماوات بغير عمد ترونها ( 1 ) . الجملة بغير عمد ترونها لها تفسيران : 1 - فكما ترون أن السماء مرفوعة بدون عمد ( أي انها في الأصل بلا عمد كما ترونها فعلا ) . 2 - والثانية إن ( ترونها ) صفة للعمد فيكون المعنى : إن السماء مرفوعة بعمد ولكن لا ترونها لأنها غير مرئية ! وهذا هو الذي يراه الإمام علي بن موسى الرضا ( عليه السلام ) ، ففي حديث رواه الحسين بن خالد قال : سألت الإمام أبا الحسن الرضا ( عليه السلام ) : ما المقصود في قوله تعالى : والسماء ذات الحبك قال : هذه السماء لها طرق إلى الأرض ، فقلت له : كيف تكون لها طرق إلى الأرض في الوقت الذي يقول سبحانه وتعالى : رفع السماوات بغير عمد فأجابه الإمام : " سبحان الله ، أليس الله يقول بغير عمد ترونها ؟ قلت بلى ، فقال : ثم عمد ولكن لا ترونها " ( 2 ) . إن هذه الآية بالرغم من وجود هذا الحديث الذي يفسرها ، فإنها تكشف عن حقيقة علمية لم تكن معروفة عند نزول الآيات الكريمة ، لأنه في ذاك الوقت كانت نظرية " بطليموس " في الهيئة تتحكم بكل قواها في المحافل العلمية في العالم وعلى أفكار الناس ، وطبقا لهذه النظرية فإن السماوات عبارة عن أجرام متداخلة تشبه قشور البصل ، وإنها لم تكن معلقة وبدون عمد ، بل كل واحدة منها تستند إلى الأخرى . ولكن بعد نزول هذه الآيات بألف سنة تقريبا توصل علم الإنسان إلى أن هذه الفكرة غير صحيحة ، فالحقيقة إن الأجرام السماوية لها مقر ومدار ثابت ، ولا
--> 1 - ( عمد ) على وزن ( صمد ) " وعمد " على وزن ( زحل ) والاثنان جمع عمود ، فالأول جمع ، والثاني اسم الجمع ( مجمع البيان ذيل الآية ) . 2 - الحديث في تفسير البرهان ، عن علي بن إبراهيم عن العياشي ( البرهان ، المجلد الثاني ، ص 278 ) .