الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
287
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
وجعل الروح اسما للنفس . . . والروح التنفس وقد أراح الإنسان إذا تنفس . . . ) . وأخيرا جمع الاخوة متاعهم وتوجهوا صوب مصر ، وهذه هي المرة الثالثة التي يدخلون فيها أرض مصر ، هذه الأرض التي سببت لهم المشاكل وجرت عليهم الويلات . لكن في هذه السفرة - خلافا للسفرتين السابقتين - كانوا يشعرون بشئ من الخجل يعذب ضمائرهم فإن سمعتهم عند أهل مصر أو العزيز ملوثة للوصمة التي لصقت بهم في المرة السابقة ، ولعلهم كانوا يرونهم بمثابة ( مجموعة من لصوص كنعان ) الذين جاؤوا للسرقة . ومن جهة أخرى لم يحملوا معهم هذه المرة من المتاع ما يستحق أن يعاوضوه بالطعام والحبوب ، إضافة إلى هذه الأمور فإن فقد أخيهم بنيامين والآلام التي ألمت بأبيهم كانت تزيد من قلقهم وبتعبير آخر فإن السكين قد وصلت إلى العظم ، كما يقول المثل إلا أن الذي كان يبعث في نفوسهم الأمل ويعطيهم القدرة على تحمل الصعاب هو وصية أبيهم لا تيأسوا من روح الله . وأخيرا استطاعوا أن يقابلوا يوسف ، فخاطبوه - وهم في غاية الشدة والألم - بقولهم : فلما دخلوا عليه قالوا يا أيها العزيز مسنا وأهلنا الضر أي أن القحط والغلاء والشدة قد ألمت بنا وبعائلتنا ولم نحمل معنا من كنعان إلا متاعا رخيصا وجئنا ببضاعة مزجاة ( 1 ) لا قيمة لها ولكن - في كل الأحوال - نعتمد على ما تبذل لنا من كرمك ونأمل في معروفك فاوف لنا الكيل بمنك الكريم وصدقاتك الوافرة وتصدق علينا ولا تطلب منا الأجر ، بل اطلبه من الله سبحانه وتعالى حيث إن الله يجزي المتصدقين .
--> 1 - ( البضاعة ) أصلها ( البضع ) على وزن جزء ، وهي بمعنى القطعة من اللحم المقطوعة من الجسم ، كما يطلق على جزء من المال الذي يقتطع منه ثمنا لشئ ( مزجاة ) من ( الازجاء ) بمعنى الدفع ، وبما أن الشئ التافه والقليل الثمن يدفعه الآخذ عن نفسه ، اطلق عليه ( مزجاة ) .