الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
288
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
والطريف أن إخوة يوسف لم ينفذوا وصية أبيهم في البحث عن إخوتهم أولا ، بل حاولوا الحصول على الطعام ، ولأجل ذلك قابلوا العزيز وطلبوا منه المؤن والحبوب ، ولعل السبب في ذلك ضعف أملهم في العثور على يوسف ، أو لعلهم أرادوا أن يظهروا أنفسهم أمام العزيز والمصريين وكأنهم أناس جاؤوا لشراء الطعام والحبوب فقط ، فمن ثم يطرحوا مشكلتهم أمام العزيز ويطلبوا منه المساعدة ، فعند ذاك يكون وقع الطلب أقوى واحتمال تنفيذه أكثر . قال بعض المفسرين : إن مقصود الإخوة من قولهم : تصدق علينا كان طلب الإفراج عن أخيهم لأنهم لم يطلبوا من العزيز الطعام والحبوب مجانا دون عوض حتى يطلبوا منه التصدق عليهم ، فإنهم يدفعون ثمنه . ونقرأ في روايات وردت في هذا المقام ، أن الإخوة كانوا يحملون معهم رسالة من أبيهم إلى عزيز مصر ، حيث مدح يعقوب في تلك الرسالة عزيز مصر وأكبر عدالته وصلاحه وشكره على ما بذله له ولعائلته من الطعام والحبوب ، ثم عرف نفسه والأنبياء من أهل بيته وأخبره برزاياه وما تحمله من المصائب والمصاعب من فقده أعز أولاده وأحبهم إلى نفسه يوسف وأخيه بنيامين ، وما أصابهم من القحط والغلاء ، وفي ختام الرسالة طلب من العزيز أن يمن عليه ويطلق سراح ولده بنيامين ، وذكره أن بنيامين سليل بيت النبوة والرسالة وأنه لا يتلوث بالسرقة وغيرها من الدناءات والمعاصي . وحينما قدم الأولاد رسالة أبيهم إلى العزيز شاهدوا أنه فض الرسالة باحترام وقبلها ووضعها على عينيه وبدأ يبكي بحيث أن الدموع بلت ثيابه ( 1 ) ( وهذا ما حير الإخوة ، وبدأوا يفكرون بعلاقة العزيز مع أبيهم بحيث جعله يبكي شوقا وشغفا حينما فتحها ، ولعل فعل العزيز أثار عندهم احتمال أن يكون يوسف هو العزيز ، ولعل هذه الرسالة أثارت عواطف العزيز وشعوره بحيث لم يطق صبرا
--> 1 - مجمع البيان ، ذيل الآية الشريفة .