الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
265
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
معهم أخاهم الصغير برغم امتناع الأب في البداية ، ولكنهم أصروا عليه وانتزعوا منه الموافقة لكي يثبتوا لك إنهم قد وفوا بالعهد ، أما يوسف فإنه قد استقبلهم بحفاوة وكرم بالغين ودعاهم لتناول الطعام على مائدته ، فأمر أن يجلس كل اثنين منهم على طبق من الطعام ، ففعلوا وجلس كل واحد منهم بجنب أخيه على الطعام ، وبقي بنيامين وحيدا فتألم من وحدته وبكى وقال : لو كان أخي يوسف حيا لعطف علي ولأجلسني إلى جنبه على المائدة لأننا إخوة من أب واحد وأم واحدة ، قال يوسف مخاطبا إياهم : إن أخاكم بقي وحيدا وإنني سأجلسه بجنبي على المائدة ونأكل سوية من الطعام ، ثم بعد ذلك أمر يوسف بأن تهيأ لهم الغرف ليستريحوا فيها ويناموا ، ومرة أخرى بقي بنيامين وحيدا ، فاستدعاه يوسف إلى غرفته وبسط له الفراش إلى جنبه ، لكنه لاحظ في تقاسيم وجهه الحزن والألم وسمعه يذكر أخاه المفقود ( يوسف ) متأوها ، عند ذاك نفذ صبر يوسف وكشف عن حقيقة نفسه ، والقرآن الكريم يصف هذه الوقائع بقوله : ولما دخلوا على يوسف آوى إليه أخاه قال إني أنا أخوك فلا تبتئس بما كانوا يعملون . قوله تعالى ( لا تبتئس ) مأخوذ من مادة ( البؤس ) وهو أصل بمعنى الضرر والشدة ، لكن في الآية الشريفة استعملت بمعنى : لا تسلط الغم على نفسك ولا تكن حزينا من معاملتهم لك ، والمراد بقوله " يعملون " هو معاملة الاخوة السيئة لأخيهم بنيامين حيث خططوا لإبعاده وطرده من بينهم كما فعلوا بيوسف - فقال يوسف لأخيه : لا تحزن فإن المحاولات التي قاموا بها لإلحاق الضرر بي قد انقلبت إلى خير وسعادة ورفعة لي ، إذا لا تحزن وكن على يقين بأن محاولاتهم سوف تذهب أدراج الرياح . وتقول بعض الروايات : إنه عند ذاك اقترح يوسف على أخيه بنيامين وقال له : هل تود أن تبقى عندي ولا تعود معهم ؟