الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
206
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
الغوغاء والهياج ، ولكن خبره - بالطبع - وصل إلى سمع العزيز . . ومن مجموع هذه المجريات اتضح أن يوسف لم يكن شابا عاديا ، بل كان طاهرا لدرجة لا يمكن لأي قوة أن تجره إلى الانحراف والتلوث ، واتضحت علامات هذه الظاهرة من جهات مختلفة ، فتمزق قميصه من دبر ، ومقاومته أمام وساوس نسوة مصر ، واستعداده لدخول السجن وعدم الاستسلام لتهديدات امرأة العزيز بالسجن والعذاب الأليم ، كل هذه الأمور أدلة على طهارته لا يمكن لأحد أن يسدل عليها الستار أو ينكرها ! . ولازم هذه الأدلة إثبات عدم طهارة امرأة العزيز وانكشاف جريمتها ، وعلى أثر ثبوت هذه الجريمة فإن الخوف من فضيحة جنسية في أسرة العزيز كان يزداد يوما بعد يوم . فكان الرأي بعد تبادل المشورة بين العزيز ومستشاريه هو إبعاد يوسف عن الأنظار لينسى الناس اسمه وشخصه ، وأحسن السبل لذلك إيداعه قعر السجن المظلم أولا ، وليشيع بين الناس أن المذنب الأصلي هو يوسف ثانيا ، لذلك يقول القرآن في هذا الصدد : ثم بدا لهم من بعد ما رأوا الآيات ليسجننه حتى حين . التعبير بكلمة " بدا " التي معناها ظهور الرأي الجديد ، يدل على أن مثل هذا التصميم في حق يوسف لم يكن من قبل . ويحتمل أن تكون هذه الفكرة اقترحتها امرأة العزيز الأول مرة . . وبهذا دخل يوسف النزيه - بسبب طهارة ثوبه - السجن ، وليست هذه أول مرة ولا آخرها أن يدخل الإنسان النزيه " بجريرة نزاهته " السجن ! ! أجل . . في المحيط المنحرف تكون الحرية من نصيب المنحرفين الذين يسيرون مع التيار وليست الحرية وحدها من نصيبهم فحسب ، . . بل أن الأفراد النجباء كيوسف الذي لا يتلاءم مع ذلك المحيط ولونه ويتحرك على خلاف مجرى الماء ! ينبغي أن يقبعوا في زاوية النسيان . . ولكن إلى متى ؟ هل تستمر هذه