الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
169
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
لامرأته أكرمي مثواه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا ( 1 ) فلا ينبغي أن تنظري إليه كما ينظر إلى العبيد . يستفاد من سياق الآية أن عزيز مصر لم يرزق ولدا وكان في غاية الشوق للولد ، وحين وقعت عيناه على هذا الصبي الجميل والسعيد تعلق قلبه به ليكون مكان ولده . ثم يضيف القرآن الكريم وكذلك مكنا ليوسف في الأرض . هذا " التمكين " في الأرض إما أن يكون لمجيئ يوسف إلى مصر ، وخاصة أن خطواته ، في محيط مصر مقدمة لما سيكون عليه من الاقتدار والمكانة القصوى ، وإما أنه لا قياس ، بين هذه الحياة في مصر " العزيز " وبين تلك الحياة في غيابة الجب والوحدة والوحشة . فأين تلك الشدة من هذه النعمة والرفاه ! ويضيف القرآن أيضا ولنعلمه من تأويل الأحاديث . المراد من " تأويل الأحاديث " - كما أشرنا سابقا - هو علم تفسير الأحلام وتعبير الرؤيا حيث كان يوسف قادرا على أن يطلع على بعض أسرار المستقبل من خلاله ، أو المراد منه الوحي لأن يوسف مع عبوره من المضائق الصعبة والشدائد القاسية ونجاحه في الاختبارات الإلهية في قصر عزيز مصر ، نال الجدارة بحمل الرسالة والوحي . ولكن الاحتمال الأول أقرب كما يبدو للنظر . ثم يختتم القرآن هذه الآية بالقول : والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون . إن واحدة من مظاهر قدرة الله العجيبة وهيمنته على الأمور كلها أن يدع - في كثير من الموارد - أسباب موفقية الإنسان ونجاحه بيد أعدائه كما حدث في مسألة يوسف ( عليه السلام ) ، فلو لا خطة إخوته لم يصل إلى الجب أبدا ، ولو لم يصل إلى الجب لما وصل إلى مصر ، ولو لم يصل إلى مصر لما ذهب إلى السجن ولما كان
--> 1 - " المثوى " من مادة ( ثوى ) ومعناه المقام ، ولكن معناه هنا الموقعية والمنزلة والمقام كذلك .