الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

170

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

هناك أثر من رؤيا فرعون التي أصبح يوسف بسببها عزيز مصر ! ففي الحقيقة إن الله أجلس يوسف على عرش الاقتدار بواسطة إخوته الذين تصوروا أنهم سيقضون عليه في تركهم إياه في غيابة الجب . لقد واجه يوسف في هذا المحيط الجديد ، الذي يعد واحدا من المراكز السياسية المهمة في مصر مسائل مستحدثة . . . فمن جهة كان يرى قصور الطغاة المدهشة وثرواتهم ومن جهة أخرى كانت تتجسد في ذهنه صورة أسواق النخاسين وبيع المماليك والعبيد . . . ومن خلال الموازنة بين هاتين الصورتين كان يفكر في كيفية القضاء على هموم المستضعفين من الناس لو أصبح مقتدرا على ذلك ! أجل ، لقد تعلم الكثير من هذه الأشياء في هذا المحيط المفعم بالضوضاء ، وكان قلبه يفيض هما لأن الظروف لم تتهيأ له بعد . فاشتغل بتهذيب نفسه وبنائها ، يقول القرآن الكريم في هذا الصدد : ولما بلغ أشده آتيناه حكما وعلما وكذلك نجزي المحسنين . كلمة " أشد " مشتقة من مادة " شد " وتعني فتل العقدة باستحكام . . . وهي هنا إشارة إلى الاستحكام الجسماني والروحاني . قال بعضهم : إن هذه الكلمة جمع لا مفرد لها . . . ولكن البعض الآخر قال : إنها جمع ( شد ) على وزن ( سد ) ولكن معناها الجمعي غير قابل للإنكار على كل حال ! المراد من " الحكم " و " العلم " الواردين في الآية المتقدمة التي تقول : ولما بلغ أشده آتيناه حكما وعلما . . . إما أن يكون مقام النبوة كما ذهب إلى ذلك بعض المفسرين ، وإما أن يكون المراد من الحكم العقل والفهم والقدرة على القضاء الصحيح الخالي من اتباع الهوى والاشتباه . والمراد من العلم الاطلاع الذي لا يقترن معه الجهل ، ومهما كان فإن الحكم والعلم موهبتان نادرتان وهبهما