الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

139

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

وحكموا على أبيهم من جانب واحد بقولهم : إن أبانا لفي ضلال مبين . إن نار الحسد والحقد لم تدعهم ليفكروا في جميع جوانب الأمر ليكتشفوا دلائل علاقة الحب التي تربط يعقوب بولديه يوسف وبنيامين ، لأن المنافع الخاصة لكل فرد تجعل بينه وبين عقله حجابا فيقضي من جانب واحد لتكون النتيجة " الضلال عن جادة الحق والعدل " وبالطبع فإن اتهامهم لأبيهم بالضلالة ، لم يكن المقصود منها الضلالة الدينية ، لأن الآيات الآتية تكشف عن اعتقادهم بنبوة أبيهم ، وإنما استنكروا طريقة معاشرته فحسب . ثم أدى بهم الحسد إلى أن يخططوا لهذا الأمر ، فاجتمعوا وقدموا مقترحين وقالوا : اقتلوا يوسف أو اطرحوه أرضا - أرسلوه إلى منطقة بعيدة - يخل لكم وجه أبيكم . ومن الحق أن تشعروا بالذنب والخجل في وجدانكم لأنكم تقدمون على هذه الجناية في حق أخيكم الصغير ، ولكن يمكن أن تتوبوا وتغسلوا الذنب تكونوا من بعده قوما صالحين . وهناك احتمال آخر لتفسير هذه الآية هو أنكم إذا أبعدتم أخاكم عن عيني أبيكم يصلح ما بينكم وبين أبيكم وتذهب أتعابكم ويزول أذاكم من هذا الموضوع ، ولكن التفسير الأول أقرب للنظر ! وعلى كل حال فإن هذه الجملة تدل على إحساسهم بالذنب من هذا العمل ، وكانوا يخافون الله في أعماق قلوبهم ، ولذلك قالوا : نتوب ونكون من بعده قوما صالحين . ولكن المسألة المهمة هنا هي أن الحديث عن التوبة قبل الجريمة - في الواقع - هو لأجل خداع " الوجدان " وإغرائه وفتح الباب للدخول إلى الذنب ، فلا يعد دليلا على الندم أبدا . وبتعبير آخر : إن التوبة الواقعية هي التي توجد بعد الذنب حالة من الندم