الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
140
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
والخجل للإنسان ، وأما الكلام في التوبة قبل الذنب فليس توبة . وتوضيح ذلك أنه كثيرا ما يقع أن الإنسان حين يواجه الضمير و " الوجدان " عند الإقدام على الذنب ، أو حين يكون الاعتقاد الديني سدا وحاجزا أمامه يمنعه عن الذنب وهو مصمم عليه ، فمن أجل أن يجتاز حاجز الوجدان أو الشرع بيسر ، يقوم الشخص بخداع نفسه وضميره يأتي سوف أقف مكتوف اليدين بعد الذنب ، بل سأتوب وأمضي إلى بيت الله وأؤدي الأعمال الصالحة ، وسأغسل جميع آثار الذنوب . أي إنه في الوقت الذي يرسم الخطة الشيطانية للإقدام على الذنب ، يرسم خطة شيطانية أخرى لمخادعة الضمير والوجدان . . . وللاعتداء على عقيدته ! فإلى أي درجة تبلغ هذه الخطة من السوء بحيث تمكن الإنسان من تحقيق الجناية والذنب وكسر الحاجز الديني الذي يقف أمامه ! ! إن إخوة يوسف دخلوا من هذا الطريق أيضا . المسألة الدقيقة الأخرى في هذه الآية : أنهم قالوا : يخل لكم وجه أبيكم ولم يقولون : يخل لكم قلب أبيكم ، وذلك لأنهم لم يطمئنوا إلى أن أباهم ينسى يوسف بهذه السرعة . . . فيكفي أن يتوجه إليهم أبوهم ، ولو ظاهرا ! وهناك احتمال آخر لهذا التعبير ، وهو أن الوجه والعينين نافذتان إلى القلب ، فمتى ما خلا الوجه لهم فإن القلب سيخلو ويتوجه إليهم بالتدريج . ولكن كان من بين الأخوة من هو أكثر ذكاء وأرق عاطفة ووجدانا ، لأنه لم يرض بقتل يوسف أو إرساله إلى البقاع البعيدة التي يخشي عليه من الهلاك فيها . . . فاقترح عليهم اقتراحا ثالثا ، وهو أن يلقى في البئر ( بشكل لا يصيبه مكروه ) لتمر قافلة فتأخذه معها ، ويغيب عن وجه أبيه ووجوههم ، حيث تقول الآية في هذا الصدد قال قائل منهم لا تقتلوا يوسف وألقوه في غيابة الجب يلتقطه بعض السيارة إن كنتم فاعلين . . . . * * *