الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

138

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

يسألون النبي أسئلة في هذا المجال ، ولكن ظاهر الآية مطلق ، فلا مرجح لأن يكون المراد بالسائلين هم اليهود دون غيرهم . وأي درس أعظم من أن يجتمع عدة أفراد لإهلاك فرد ضعيف ووحيد - في الظاهر - وبخطط أعدها الحسد ، ويبذلون أقصى جهودهم لهذا الأمر ، ولكن نفس هذا العمل - ودون شعور وإرادة منهم - بات سببا في تربعه على سرير الملك وصيرورته آمرا على البلد الكبير " مصر " ثم يأتي إخوته في النهاية ليطأطئوا برؤوسهم إعظاما له ، وهذا يدل على أن الله إذا أراد أمرا فهو قادر على أن يجريه حتى على أيدي من يخالفون ذلك الأمر ، ليتجلى أن الإنسان المؤمن الطاهر ليس وحيدا في هذا العالم ، فلو سعى جميع أفراد هذا العالم إلى إزهاق روحه والله لا يريد ذلك ، فإنهم لا يستطيعون أن يسلبوا منه شعرة واحدة . كان ليعقوب اثنا عشر ولدا ، واثنان منهم : يوسف وبنيامين وهما من أم واحدة اسمها راحيل ، وكان يعقوب يولي هذين الولدين محبة خاصة ، لا سيما يوسف . لأنهما أولا : أصغر أولاده ، وبالطبع فهما يحتاجان إلى العناية والرعاية والمحبة . وثانيا : لأن أمهما ارتحلت من الدنيا - طبقا لبعض الروايات - وبعد هذا كله كانت بوادر النبوغ والذكاء والحاد ترتسم على يوسف ، وهذه الأمور أدت إلى أن أن يولي يعقوب ابنه هذا عناية أكثر . إلا أن الإخوة الحساد - دون أن يلتفتوا إلى هذه الجهات - تألموا من حب أبيهم ليوسف وأخيه ، وخاصة بعد اختلافهم في الام والمنافسة الطبيعية المترتبة على هذا الأمر . لهذا اجتمعوا فيما بينهم وتدارسوا الأمر وصمموا على المؤامرة إذ قالوا ليوسف وأخوه أحب إلى أبينا منا ونحن عصبة ( 1 ) .

--> 1 - " العصبة " معناها الجماعة المتفقون على الأمر ، وهذه الكلمة معناها الجمع إلا لا مفرد لها من جنسها .