مؤسسة آل البيت ( ع )
107
مجلة تراثنا
زرع ، وهي كما قال الله تعالى حكاية عن لسان سيدنا إبراهيم ( عليه السلام ) : * ( ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم ) * ( 1 ) ولم يكن فيها حتى نهر واحد ( 2 ) ، بل كان غالب اعتماد الساكنين فيها على الأمطار والآبار التي تمتلئ شتاء وتجف صيفا ، وهذا الجفاف واليبس خلق عند سكان الجزيرة حالة التنقل بحثا عن الكلأ والماء ، فهم يجوبون الأرض بحثا عنهما ، فهي ظروف لم تجعل العربي يستقر كي يبدع في مجالات الزراعة والصناعات اليدوية إلا نادرا ، فاعتمدوا على التجارة بشكل أساسي خصوصا قريش التي هي رأس القبائل العربية في الجزيرة ، وقد وصف الله تعالى اشتغالهم التجاري ذلك بقوله : * ( لإيلاف قريش * إيلافهم رحلة الشتاء والصيف ) * ( 3 ) . وتظهر شدة الجفاف من خلال التنازع على شرف سقاية الحاج ، قال سبحانه : * ( أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر ) * ( 4 ) وهذه البيئة الجغرافية والظروف الاجتماعية ، هي التي جعلت الجزيرة العربية بمأمن من مطامع الدولتين العظيمتين آنذاك ( الروم والفرس ) ، كما جعلت هذه الأرض أرضا آمنة يلجأ إليها أعداء الروم والفرس ، فقد هاجر إليها أولا يهود فلسطين ، فسكنوا يثرب ، وهاجرت بعدهم قبائل الأوس والخزرج من اليمن فسكنوا فدك وتيماء ، فبدأ الوافدون من الحضارات المجاورة في تطوير الزراعة وإحكام أسسها ، وكيفية تنظيم الري والاستفادة من الأمطار عند عرب شبة الجزيرة ، لما
--> ( 1 ) سورة إبراهيم 14 : 37 . ( 2 ) أنظر : المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام - لجواد علي - 1 / 157 وما بعدها . ( 3 ) سورة قريش 106 : 2 . ( 4 ) سورة التوبة 9 : 19 .