مؤسسة آل البيت ( ع )

166

مجلة تراثنا

ولو استقصينا الجدول الزمني والمسيرة التاريخية للفقه الشيعي ، لوجدنا أن المدارس التي قامت ونشأت في هذه الفترة وتلك ، في هذا البلد وذاك ، كانت ولا زالت هي المحاور الرئيسية في إكسابه ما وصل إليه من منزلة سامية ومكانة شامخة ، فاق بها طرا سائر الفرق والمذاهب ، من حيث سعة المحتوى وعمق المطالب ومتانة الاستدلال ورفعة الطرح وتنوع الأساليب ، المنصبة جميعا في قناة إثبات المدعى ونقض المخالف . ومدرسة قم - التي ازدهرت في الربع الأول من القرن الرابع حتى منتصف القرن الخامس - وبعد انتقال حركة التدريس والتأليف إليها من المدينة والكوفة ، استطاعت أن تظهر فاعلية كبيرة ودورا مؤثرا في تطوير الفقه الإمامي وإرساء قواعده المتينة وأطره الرصينة . ولعل من أهم العوامل التي ساهمت في منح هذه المدرسة مكانتها المذكورة : هو ولاء قم - ومشهورية انتمائها - لمذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) ، حيث كانت ولا زالت تعد حصنا من حصون الشيعة المنيعة وثغرا من ثغورها الشامخة ، والروايات الواردة عن الأئمة الأطهار ( عليهم السلام ) في عظم منزلتها وشرفها كثيرة ومعروفة . كما كانت تعد آنذاك الركن الآمن الذي اطمئن إليه فقهاء آل البيت ( عليهم السلام ) بعد ما لاقوه من شتى صنوف القسوة والإرهاب من بني العباس وسوء معاملتهم لهم . مضافا إلى ذلك ، فقد كانت قم مركزا فقهيا كبيرا ، لا سيما في عهد النواب الأربعة ، إذ حفلت بالكثير من أعاظم الفقهاء وأجلتهم ، أمثال : الكليني والصدوق ووالده وابن قولويه وابن الجنيد وعلي بن إبراهيم وغيرهم . وقد ساعد وجود الدولة البويهية حينذاك على نمو المدرسة الفقهية