مؤسسة آل البيت ( ع )

420

مجلة تراثنا

الكيس لدى الحق يسير ] ( 1 ) . يا بني ! إن الدنيا بحر عميق ، قد غرق فيه عالم كثير ، فلتكن سفينتك فيها تقوى الله ، وحشوها الإيمان ، وشراعها التوكل ، وقيمها العقل ، ودليلها العلم ، وسكانها الصبر " ( 2 ) .

--> ( 1 ) من الكافي . ( 2 ) " تواضع للحق " التواضع للحق هو أن لا يرى الإنسان لنفسه وجودا إلا بالحق ولا قوة له ولا لغيره إلا بالله ، والتواضع من أفضل الأعمال ، وقد ورد عن النبي ( صلى الله عليه وآله ) أنه قال : من تكبر وضعه الله ، ومن تواضع لله رفعه الله . وإن الإنسان كلما تجرد عن الأنانية ومحا عن نفسه التكبر زاده الله شرفا وفضلا . " أعقل الناس " هم الأنبياء والأولياء ، ثم الأمثل فالأمثل . " وإن الكيس لدى الحق يسير " إن كياسة الإنسان - وهي عقله وفطانته - يسير عند الحق لا قدر له ، وإنما الذي له قدر عند الله هو التواضع والمسكنة والخضوع والافتقار إليه ، فكل علم وكمال لا يؤدي بصاحبه إلى مزيد فقر وحاجة إليه تعالى يصير وبالا عليه وكان الجهل والنقيصة أولى به ، ولذلك قيل : غاية مجهود العابدين تصحيح جهة الإمكان والفقر إليه تعالى . " إن الدنيا بحر عميق " شبه لقمان الدنيا بالبحر ، ووجه الشبه تغير الدنيا وتغير أشكالها وصورها في كل لحظة ، فالكائنات التي فيها كالأمواج التي تكون في البحر معرضا للزوال والفناء ، ويحتمل أن يكون وجه الشبه أن الدنيا كالبحر الذي يعبر عليه الناس ، فكذلك الدنيا يعبر عليها الناس إلى دار الآخرة وتكون النفوس فيها كالمسافرين . " قد غرق فيه عالم كبير " من الناس في هذه الدنيا ، وإنما غرقوا لتهالكهم على الشهوات . وفي رواية الكافي : " فيها " بدل " فيه " . " فلتكن سفينتك فيها تقوى الله " وإذا كانت الدنيا بحرا توجب الغرق والهلاك ، فلا نجاة ولا سلامة إلا بسفينة التقوى والصلاح . " وحشوها الإيمان " أي ما يخشى فيها وتملأ منها . " وشراعها التوكل " على الله والاعتماد عليه في جميع الأمور لا على الأسباب . " وقيمها العقل " قيم السفينة ربانها الذي نسبته إليها نسبة النفس إلى البدن . " ودليلها العلم " والعقل دليله العلم فإن نسبته إليه كنسبة النور من السراج والرؤية من البصر . " وسكانها الصبر " ومع هذه الخصال لا بد من الصبر فإن ارتقاء الإنسان وقربه من ربه لا يحصل إلا بمجاهدات قوية للنفس .