مؤسسة آل البيت ( ع )
125
مجلة تراثنا
المعاملات كما استوعب أحكام العبادات ومآثر الأخلاق . . استوعب نظام حقوق الإنسان ، ونظام الأسرة ، ونظام المجتمع ، وأسس للقضاء نظامه وأرسى قواعده ، بل تعدى ذلك إلى حفظ حقوق الحيوان وحفظ البيئة . . كل هذا متفق عليه ، لكن السؤال هو : هل يمكن لهذه النظم أن تحيا بعيدا عن نظام سياسي يحقق للمجتمع الإسلامي وجوده المستقل ؟ المسلمون يتفقون على ضرورة وجود النظام السياسي الذي يحفظ للأمة كيانها ، متفقون على ضرورة وجود إمام على رأس هذا النظام . إن أحدا لا يستطيع أن يتصور أمة تحيا بلا نظام ، ونظاما يسود بلا قيادة . الإمام أحمد يعرف الفتنة بأنها : حال الأمة إذا لم يكن إمام يقوم بأمر الناس ( 45 ) . ويوجز الإمام الغزالي حجته بكلمة يقطع بها النزاع ، فيقول : إن نظام الدين لا يحصل إلا بنظام الدنيا ، ونظام الدنيا لا يحصل إلا بإمام مطاع ، فهاتان مقدمتان ، ففي أيهما نزاع ؟ ! ( 46 ) . إذن أين كان موقع هاتين المقدمتين في التشريع الإسلامي ؟ ! يقول ابن خلدون : إن نصب الإمام واجب ، وقد عرف وجوبه في الشرع بإجماع الصحابة والتابعين ، لأن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله عند وفاته بادروا إلى بيعة أبي بكر وتسليم النظر إليه في أمورهم ، وكذا في كل عصر بعد ذلك ، ولم تترك الناس فوضى في عصر من الأعصار ، واستقر ذلك إجماعا دالا على وجوب نصب الإمام ( 47 ) . فالأمر إذن من إبداع المسلمين وصياغتهم حين وجدوا أنفسهم أمام الأمر
--> ( 45 ) الأحكام السلطانية - للفراء - : 19 . ( 46 ) الاقتصاد في الاعتقاد : 148 . ( 47 ) مقدمة ابن خلدون : 212 .