مؤسسة آل البيت ( ع )
43
مجلة تراثنا
جرت بينهما كرهت ذكرها لما فيه مما لا يحتمل سماعه العامة ! ( 63 ) وهذا كلام صريح بأن أذهان العامة قد شحنت بثقافة منحازة ، وقد تعصبت لها كثيرا فهي لا تحتمل سماع ما يناقضها وإن كان هو الحق . إن عبارة الطبري هذه تحدد لنا بوضوح ما عناه ابن هشام حين حذف أشياء من سيرة ابن إسحاق فقال عنها : ( يسوء بعض الناس ذكره ) ! فما هي معالم هذه الثقافة التي شحنت بها أذهان العامة ؟ لقد تقدمت نبذ من ذلك عند ذكر كتاب أبان بن عثمان الذي خرقه سليمان بن عبد الملك لما فيه من ذكر للأنصار ، وفي حديث خالد القسري لابن شهاب حين طلب منه أن يكتب المغازي شريطة أن لا يأتي لعلي عليه السلام بذكر إلا أن يجده في قعر جهنم ! وفي حديث الزهري عن كاتب الكتاب يوم الحديبية : لو سألت بني أمية لقالوا هو عثمان ! وسنأتي على مزيد من معالم تلك الثقافة في فقرة لاحقة أعددناها لهذا الغرض ، بعنوان ( منهاج التدوين ) . مؤرخون على أثر الطبري : وجاء المؤرخون اللاحقون من أصحاب التصانيف الكبيرة في التاريخ فاقتفوا أثر الطبري حذو القذة بالقذة ( 64 ) ، فلم يقتصروا على اعتماده مصدرا وحيدا لتلك الحقبة من التاريخ ، بل اجتهدوا في توثيقه إلى أبعد الحدود ، غافلين عن أسانيده التي كانت في أغلب ما يخص هذه الحقبة الحساسة من أوهى الأسانيد وأبعدها عن دواعي القبول ، فألبسوا الطبري ما أراد أن يتبرأ منه من تبعات ذلك !
--> ( 63 ) تاريخ الطبري 4 / 557 . ( 64 ) يضرب مثلا للشيئين يستويان ولا يتفاوتان .