مؤسسة آل البيت ( ع )
92
مجلة تراثنا
حفظت مائة فصل من مواعظ علي بن أبي طالب . . . ويكفي هذا الكتاب الذي نحن شارحوه دلالة على أنه لا يجارى في الفصاحة ، ولا يبارى في البلاغة ، وحسبك أنه لم يدون لأحد من فصحاء الصحابة العشر ، ولا نصف العشر مما دون له ، وكفاك في هذا الباب ما يقوله أبو عثمان الجاحظ في مدحه في كتاب " البيان والتبيين " وفي غيره من كتبه . . . وقال في ج 16 ص 145 عند كلامه على كتابه عليه السلام إلى عبد الله بن عباس بعد مقتل محمد بن أبي بكر : أنظر إلى الفصاحة كيف تعطي هذا الرجل قيادها ، وتملكه زمامها ، واعجب لهذه الألفاظ المنصوبة يتلو بعضها بعضا كيف تواتيه وتطاوعه ، سلسة سهلة تتدفق من غير تعسف ولا تكلف ، حتى انتهى إلى آخر الفصل فقال : " . . . يوما واحدا ، ولا ألتقي بهم أبدا " ، وأنت وغيرك من الفصحاء إذا شرعوا في كتاب أو خطبة جاءت القرائن والفواصل تارة مرفوعة ، وتارة مجرورة ، وتارة منصوبة ، فإن أرادوا قسرها بإعراب واحد ظهر منها في التكلف أثر بين ، وعلامة واضحة ، وهذا الصنف من البيان أحد أنواع الاعجاز في القرآن ، ذكره عبد القاهر ، قال : انظر إلى سورة النساء وبعدها سورة المائدة ، الأولى منصوبة الفواصل ، والثانية ليس فيها منصوب أصلا ، ولو مزجت إحدى السورتين بالأخرى لم تمتزجا ، وظهر أثر التركيب والتأليف بينهما . ثم إن فواصل كل واحد منهما تنساق سياقة بمقتضى البيان الطبيعي لا الصناعة التكلفية . ثم انظر إلى الصفات والموصوفات في هذا الفصل ، كيف قال : " ولدا ناصحا " ، و " عاملا كادحا " ، و " سيفا قاطعا " ، و " ركنا دافعا " ، لو قال : " ولدا كادحا " و " عاملا ناصحا " وكذلك ما بعده لما كان صوابا ، ولا في الموقع واقعا ، فسبحان الله من منح هذا الرجل هذه المزايا النفيسة والخصائص الشريفة ! أن