مؤسسة آل البيت ( ع )
108
مجلة تراثنا
اللين والأمن ، وإن عصور الأمن عصور طراوة ودعة لا تحفز النفوس ، ولا تستثير قواها الكامنة . وعلى النقيض من ذلك عصور المشادة والجهاد التي تحرك أعمق أعماق النفوس وتثير كل تياراتها ، وتبتعث رواقدها ، لما تتطلبه طبيعة العراك من استمداد كل قوة ، وإفراغ كل جهد . إن الاضطهاد العنيف لم يترك في أدب آل البيت أنينا وشكوى ، ولا بكاء ولا عويلا ، وإنما ترك قوة صامدة ، وتحقيرا لأمر الدنيا ، وإعظاما للجهاد ، وإكبارا للتضحية . ولم يكن لآل البيت أسلوب قوي فحسب ، بل كانت معانيهم أيضا قوية ، فقد اصطبغت هذه المعاني بالمثل الأعلى للإيمان والعقيدة ، فاكتسبت رونقا وجلالا ، وعظمة وجمالا . ولا غرو ، فقد قدموا في سبيل هذه العقيدة أغلى ما يمكن أن يقدمه إنسان قربانا لعقيدة ، وهي أنفسهم الزكية ، وأرواحهم الطاهرة ، أليس يقول الإمام رضي الله عنه : " لنا حق فإن أعطيناه ، وإلا ركبنا أعجاز الإبل وإن طال السرى " . وقد اجتمع له رضي الله عنه في كتاب " نهج البلاغة " ما يجتمع لكبار الحكماء ، وأفذاذ الفلاسفة ، ونوابغ الربانيين من آيات الحكمة السامية ، وقواعد السياسة المستقيمة ، ومن كل موعظة باهرة ، وحجة بالغة ، وآراء اجتماعية ، وأسس حربية ، مما يشهد للإمام بالفضل وحسن الأثر . فأنت واجد في خطبه ووصاياه رضوان الله عنه ملتقى العاطفة المشبوبة والإحساس المتطلع إلى الرحمة والإكبار ، فقد كانت حياته وحياة أبنائه سلسلة من الجهاد والصراع والاضطهاد والجلاد . فكان رضي الله عنه شجاعا في غير بغي ، قويا في غير قسوة ، سليم الصدر من الضغن والحقد ، برئ النفس من حب الانتقام والغرور ، لا يتكلف