مؤسسة آل البيت ( ع )
91
مجلة تراثنا
وحكي أنه بعض علماء اللغة قد كفى نفسه مؤونة العيش كما يعش سائر العلماء من الأوقاف والجرايات والوجوه الشرعية ، فكان ينسخ في كل يوم بعد صلاة الصبح عشرة أوراق ويبعث بها من يبيعها له بعشرة دراهم هي كفاف يومه ، ثم يخرج إلى مجلس درسه خالي البال من هموم العيش . وكانت لهم مع صناعتهم حالات عبروا عنها في أواخر النسخ التي خطتها أقلامهم . فمنهم من نظر إلى النسخ من ناحية المسؤولية ، فعده عملا يسأل عنه فاعله يوم لقاء الله سبحانه ، وحذر من كتابة ما لا يرضي الله تعالى . ومنهم من نظر إلى هذا العمل من ناحية نقص الإنسان وكثرة أخطائه ، فطلب إصلاح ما وهم هو فيه ، وقطع بأن نسخته التي خطتها يمينه ليست خالية من الخطأ ، واعتذر بعدم العصمة ، وبين أن نسخته كثيرة الأخطاء بحيث إنه كلما تصفحها وجد فيها خطأ . ومنهم من استلهم العظة من هذه الحياة الدنيا ، فأشار إلى قصرها ببقاء خطه زمانا طويلا وموته هو ، فأشار من طرف خفي إلى أنه واجب الإنسان أن يصلح أعماله ليخرج من الدنيا نقي الجيب . ومنهم من رأى أن لا نجاة من شر النفس الأمارة بالسوء وشر ما تزينه من نسخ الضلال وتخليده وإضرار الناس به . . لا نجاة إلا بالاعتصام بالله تعالى . ونجد فيهم من فرح بتمام كتابه واستراحته من عناء النسخ ، وزاد فرحه بإحراز الثواب الذي هو للمجدين المخلصين في عمارة بلاد الله وتبصير عباده . ومنهم الحريص على عياله والناظر لحاجاتهم ، فعد كتابه سلعة يورثها لهم فيبيعونه بثمن جيد ، فاجتهد في تجويد نسخه وصرف نفيس عمره على ذلك ، لكي لا يبور كتابه بعد موته . وآخر محدود محارف ، ضجر من تعب النسخ وقلة الربح ، فأداه ذلك