مؤسسة آل البيت ( ع )
58
مجلة تراثنا
في شرح الكلمة ومناسبتها للمقام : قال ابن حجر : ( إن عائشة أظهرت أن سبب إرادتها صرف الإمامة عن أبيها كونه لا يسمع المأمومين القراءة لبكائه ، ومرادها زيادة على ذلك هو أن لا يتشاءم الناس به ، وقد صرحت هي فيما بعد بذلك . وبهذا التقرير يندفع إشكال من قال : إن صواحب يوسف لم يقع منهن إظهار يخالف ما في الباطن ) ( 150 ) . قلت : لكنه كلام بارد ، وتأويل فاسد . أما أولا : ففيه اعتراف بأن قول عائشة : ( إن أبا بكر رجل أسيف فمر عمر أن يصلي بالناس ) مخالفة للنبي صلى الله عليه ( وآله ) وسلم ، ورد عليه منها ، بحيث لم يتحمله النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقال هذا الكلام . وأما ثانيا : فلأنه لا يتناسب مع فصاحة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وحكمته ، إذ لم يكن صلى الله عليه وآله وسلم يشبه الشئ بخلافه ويمثله بضده ، وإنما كان يضع المثل في موضعه . . . ولا ريب أن صويحبات يوسف إنما عصين الله بأن أرادت كل واحدة منهن من يوسف ما أرادته الأخرى وفتنت به كما فتنت به صاحبتها ، فلو كانت عائشة قد دفعت النبي عن أبيها ولم ترد شرف ذلك المقام الجليل له ، ولم تفتتن بمحبة الرئاسة وعلو المقام ، لكان النبي في تشبيهها بصويحبات يوسف قد وضع المثل في غير موضعه ، وهو أجل من ذلك ، فإنه نقص . . . وحينئذ يثبت أن ما قاله النبي صلى الله عليه وآله وسلم إنما كان لمخالفة المرأة وتقديمها بالأمر - بغير إذن منه صلى الله عليه وآله وسلم - لأبيها ، لأنها مفتونة بمحبة الاستطاعة والرغبة في تحصيل الفضيلة واختصاصها وأهلها بالمناقب كما قدمناه في بيان طرف من أحوالها . وأما ثالثا : فقد جاء في بعض الأخبار أنه لما قالت عائشة : ( إنه رجل رقيق فمر عمر ) لم يجبها بتلك الكلمة بل قال : ( مروا عمر ) ( 151 ) ومنه يظهر أن السبب
--> ( 150 ) فتح الباري 2 / 120 . ( 151 ) تاريخ الطبري 2 / 439 .