الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
90
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
يتفرقوا إلى حال سبيلهم . كان يوم الخميس من السنة العاشرة للهجرة ، وقد مضت ثمانية أيام على عيد الأضحى ، وإذا برسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) يصدر أمره للحجيج بالتوقف ، فراح المسلمون يتنادون الذين في مقدمة الركب أن يعودوا ، وانتظروا حتى يلتحق بهم من كان في المؤخرة أيضا . كان الشمس قد تخطت نقطة الزوال ، وصعد مؤذن النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ينادي في الناس لصلاة الظهر ، وأخذ الناس يستعدون - مسرعين - لأداء الصلاة . كانت الرياح لافحة محرقة ، حتى اضطر بعضهم إلى أن يضع قسما من عباءته تحت قدميه وقسما منها فوق رأسه كي يتقي حرارة الحصى وأشعة الشمس . ما كان في تلك الصحراء ما يستظل به ، ولا ما تستريح إليه العين من خضرة الأعشاب ، اللهم إلا بضع شجيرات عجاف عارية تصارع حرارة الجو صراعا مريرا . كان جمع قد لجأ إلى هذه الشجيرات ونشر رداءه عليها ليستظل به رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، إلا أن الرياح الساخنة كانت تعصف بتلك المظلة فتنشر تحتها حرارة الشمس الحارقة . انتهت صلاة الظهر . وهرع الحجيج يريدون نصب خيامهم الصغيرة التي كانوا يحملونها معهم يلوذون بها من حر الهاجرة . إلا أن رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) أخبرهم أن عليهم أن يستعدوا لسماع رسالة إلهية ، جديدة في خطبته ، وكان الذين يقفون على مسافة من رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) لا يستطيعون رؤيته ، لذلك صنعوا له منبرا من أحداج الإبل ارتقاه رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) فقال : " الحمد لله ونستعينه ونؤمن به ، ونتول عليه ، ونعوذ به من شرور أنفسنا ، ومن سيئات أعمالنا الذي لا هادي لمن ضل ، ولا مضل لمن هدى ، وأشهد أن لا إله إلا الله ، وأن محمدا عبده ورسوله . أما بعد : أيها الناس قد نبأني اللطيف الخبير أنه لم يعمر نبي إلا مثل نصف عمر