الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
89
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
بعينها ، فإن الروايات التي عبرت عنها متنوعة ، فبعض هذه الروايات مسهب مطول ، وبعضها الآخر موجز مكثف ، وبعضها يتناول جانبا معينا من الحادثة ، ومن مجموع تلك الروايات ومن التأريخ الإسلامي ومن ملاحظة القرائن والظروف المحيطة بوقوعها وبمكانها يتبين ما يلي : أنه في السنة الأخيرة من حياة النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) أدى المسلمون مع رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) حجة الوداع في عظمة وجلال ، وكان لهذه الحجة أثر كبير في النفوس ، وبعد انتهائها أحاطت بالقلوب هالة من السمو الروحي ، وتشربت في الأعماق لذة هذه العبادة الكبرى . وكانت الجموع الغفيرة ( 1 ) من المسلمين المشاركين في تلك الحجة يكادون يطيرون فرحا لهذه السعادة الكبرى التي شرفهم الله بها . لم يكن أهل المدينة وحدهم قد رافقوا النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) في هذه الحجة ، بل التحق بركبه مسلمون توافدوا من سائر أنحاء الجزيرة العربية لينالوا شرف الصحبة في هذه الحجة . كانت الشمس ترسل أشعتها اللافحة المحرقة على الوديان والسهول لكن لذة هذا السفر الروحي يسرت كل شئ . اقترب وقت الظهيرة ، واقترب الركب الكبير من أرض الجحفة ، وظهرت من بعيد أرض " غدير خم " القاحلة الجافة المحرقة . كانت المنطقة ، في الحقيقة ، تقع على مفترق طرق أربع حيث كان على الحجيج أن يتفرقوا إلى الوجهة التي يقصدونها فطريق يتجه إلى المدينة نحو الشمال ، وآخر يوصل إلى العراق شرقا ، وطريق الغرب يتجه إلى مصر ، وطريق الجنوب يصل إلى اليمن . ها هنا كان لابد أن يتحقق أهم فصل من فصول هذه الرحلة وآخر ذكرياتها . وكان على المسلمين أن يتلقوا آخر تكليف لهم ، أو المرحلة النهائية من المهمات الناجحة التي اضطلع بها رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، قبل أن
--> 1 - قيل أن عددهم 90 ألفا ، وقيل 120 ألفا ، وقيل 124 ألفا .