الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

71

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

وأكل المال الحرام ، ولكي يؤكد القرآن قبح هذه الأعمال ، قالت الآية : لبئس ما كانوا يعملون . . . وتدل عبارة كانوا يعملون على أن هذه الذنوب لم تكن تصدر عن هؤلاء صدفة ، بل كانوا يمارسونها دائما مع سبق اصرار . بعد ذلك تحمل الآية الثالثة على علمائهم الذين أيدوا قومهم على ارتكاب المعاصي بسكوتهم ، فتقول : لولا ينهاهم الربانيون والأحبار عن قولهم الإثم وأكل السحت . . . وقد أشرنا سابقا إلى أن كلمة ( ربانيون ) هي صيغة جمع لكلمة ( رباني ) المشتقة من كلمة ( رب ) وتعني العالم أو المفكر الذي يدعو الناس إلى الله ، لكنها قد أطلقت في كثير من الحالات على علماء المسيحيين ، أي رجال الدين المسيحي . أما كلمة ( أحبار ) فهي صيغة جمع لكلمة ( حبر ) وهي تعني العلماء الذين يخلفون أثارا حسنة في المجتمع ، لكنها أطلقت في موارد كثيرة على رجال الدين اليهود . أما خلو هذه الآية من كلمة ( العدوان ) التي وردت في الآية قبلها ، فقد استدل بعضهم من ذلك على أن كلمة ( الإثم ) الواردة هنا تشمل جميع المعاني التي تدخل في إطار هذه الكلمة ومن ضمنها ( العدوان ) . لقد وردت في هذه الآية عبارة قولهم الإثم التي تختلف عما ورد في الآية السابقة ، ولعل هذه إشارة إلى أن العلماء مكلفون بردع الناس عن النطق بما يشوبه الذنب من قول ، كما هم مكلفون بمنع الناس عن ارتكاب العمل السئ ، ولربما تكون كلمة ( قول ) الواردة هنا بمعنى ( العقيدة ) أي أن العلماء الذين يهدفون إلى اصلاح أي مجتمع فاسد ، عليهم أولا أن يصلحوا أو يغيروا المعتقدات الفاسدة التي تشيع في هذا المجتمع ، فما لم يحصل التغيير الفكري لا يمكن توقع حصول اصلاحات جذرية في الجوانب العملية ، وبهذه الصورة تبين الآية للعلماء أن