الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
72
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
الثورة الفكرية هي الأساس والمنطلق لكل اصلاح يراد تحقيقه في كل مجتمع فاسد . وفي الختام ، يمارس القرآن الكريم نفس أسلوب الذم الذي اتبعه مع أهل المعاصي الحقيقيين ، فيذم العلماء الساكتين الصامتين التاركين للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، ويقبح صمتهم هذا ، كما تقول الآية : ولبئس ما كانوا يصنعون . وهكذا تبين أن مصير الذين يتخلون عن مسؤولية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر العظيمة وخاصة إن كانوا من العلماء يكون كمصير أصحاب المعاصي ، وهؤلاء في الحقيقة شركاء في الذنب مع العاصين . ونقل عن ابن عباس المفسر المعروف قوله : بأن هذه الآية أعنف آية وبخت العلماء المتجاهلين لمسؤولياتهم الصامتين عن المعاصي . وبديهي أن هذا الحكم لا ينحصر في علماء اليهود والنصارى ، بل يشمل كل العلماء مهما كانت دياناتهم إن هم سكتوا وصمتوا أمام تلوث مجتمعاتهم بالذنوب وتسابق الناس في الظلم والفساد ، ذلك لأن حكم الله واحد بالنسبة لجميع البشر . وورد عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) في إحدى خطبه ، أن سبب هلاك الأقوام السابقة هو ارتكابهم للمعاصي وسكوت علمائهم عليهم وامتناعهم عن النهي عن المنكر فكان ينزل عليهم - لهذا السبب - البلاء والعذاب من الله ، وأن على الناس أن يأمروا بالمعروف وينهوا عن المنكر لكي لا يتورطوا بمصير أولئك الأقوام ( 1 ) . كما ورد بنفس هذا المضمون كلام للإمام علي ( عليه السلام ) في ( نهج البلاغة ) في آخر خطبته القاصعة ( الخطبة 192 ) قوله ( عليه السلام ) : " فإن الله سبحانه لم يلعن القرن الماضي بين أيديكم إلا لتركهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فلعن السفهاء لركوب
--> 1 - نور الثقلين ، ج 1 ، ص 649 .