الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
454
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
وتفيد جملة فأحييناه أن الإيمان - وإن استلزم سعي الإنسان لنيله - لا يتم إلا بهداية من الله ! ثم تقول الآية عن أمثال هؤلاء : وجعلنا له نورا يمشي به في الناس . على الرغم من وجود الاختلاف في تفسير هذا " النور " فالظاهر أن المقصود ليس القرآن وتعاليم الشرع فحسب ، بل أكثر من ذلك ، حيث يمنح الإيمان بالله الإنسان رؤية وإدراكا جديدين . . . يمنحه رؤية واضحة ويوسع من آفاق نظرته لتتجاوز إطار حياته المادية وجدران عالم المادة الضيق إلى عالم أرحب وأوسع . ولما كان الإيمان يدعو الإنسان إلى أن يبني نفسه ، فإنه يزيح عن عينيه أغشية الأنانية والتعصب والمعاندة والأهواء ، ويريه حقائق ما كان قادرا على إدراكها من قبل . إنه في ضوء هذا النور يستطيع أن يميز مسيرة حياته بين الناس ، وأن يصون نفسه ويحافظ عليها ويحصنها ضد ما يقع فيه الآخرون من أخطار الطمع والجشع والأفكار المادية المحدودة ، والوقوف بوجه أهوائه وكبح جماحها . إن ما نقرأه في الأحاديث الإسلامية من أن " المؤمن ينظر بنور الله " إشارة إلى هذه الحقيقة ، إن مجرد الوصف غير قادر على تبيان خصائص هذه الرؤية الإيمانية التي يمنحها الله للإنسان ، بل ينبغي أن يذوق الإنسان طعمها لكي يدرك بنفسه مغزى هذا القول ويحس به . ثم تقارن الآية بين هذا الإنسان الحي ، الفعال ، النير ، والمؤثر ، بالإنسان العديم الإيمان والمعاند ، فتقول : كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها . نلاحظ أن الآية لا تقول : " كمن في الظلمات " بل تقول : كمن مثله في الظلمات يقول بعضهم : إن الهدف من هذا التعبير هو إثبات أن هؤلاء الأفراد غارقون في الظلمات والتعاسة إلى الحد الذي جعلهم مثلا يعرفه المدركون .