الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

455

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

وقد يكون ذلك إشارة إلى معنى أدق هو : أنه لم يبق من وجود هؤلاء الأفراد سوى شبح ، أو قالب ، أو مثال أو تمثال ، لهم هياكل خالية من الروح وأدمغة معطلة عن العمل . لابد من القول - أيضا - إن " النور " الذي يهدي المؤمنين جاء بصيغة المفرد ، بينما " الظلمات " التي يعيش فيها الكافرون جاءت بصيغة الجمع ، وذلك لأن الإيمان ليس سوى حقيقة واحدة ، وهو يرمز إلى الوحدة والتوحيد ، بينما الكفر وعدم الإيمان مدعاة للتشتت والتفرقة . وفي الختام تشير الآية إلى سبب مصير هؤلاء المشؤوم فتقول : كذلك زين للكافرين ما كانوا يعملون . سبق أن قلنا : إن من خصائص تكرار العمل القبيح أن قبحه يتضاءل في عين الفاعل حتى يبدو له أخيرا وكأنه عمل جميل ، ويتحول إلى مثل القيد يشد أطرافه ، ويمنعه من الخروج من هذا الفخ ، إن مطالعة بسيطة لحال المجرمين تكشف لنا هذه الحقيقة بجلاء . ولما كان بطل هذه المشاهد في جانبها السلبي هو " أبو جهل " الذي كان من كبار مشركي قريش ومكة ، فالآية الثانية تشير إلى حال هؤلاء الزعماء الضالين وقادة الكفر والفساد ، فتقول : وكذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها ليمكروا فيها . كررنا القول من قبل : أن سبب نسبة أمثال هذه الأفعال إلى الله ، لكونه تعالى هو علة العلل ومسبب الأسباب ومصدر كل القدرات ، والانسان يستخدم ما وهبه الله من إمكانات طالحا كان هذا الفعل أم صالحا . جملة " ليمكروا " تشير إلى عاقبة أعمالهم ، ولا تعني الهدف من خلقهم ( 1 ) أي أنه عاقبة عصيانهم وكثرة ذنوبهم أدت بهم إلى أن يصبحوا سدا على طريق الحق ،

--> 1 - " اللام " هنا هي لام " العاقبة " وليست اللام الغائية ، وقد وردت في القرآن كثيرا .