الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
337
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
الاعتناء بهم ، وفي أحيان أخرى قد يقتضي الأمر الجهاد والتوسل بالسلاح ، أما القول بأن آيات الجهاد قد نسخت هذه الآية فغير صحيح . وتشير هذه الآية إلى أن سلوكهم الحياتي من حيث المحتوى أجوف وواه ، فهم يطلقون اسم الدين على بعض الأعمال التي هي أشبه بلعب الأطفال ومجمون الكبار ، فهؤلاء غير جديرين بالمناقشة والمباحثة ، وعليه يؤمر النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) بأن يعرض عنهم ولا يعتني بدينهم الفارغ . يتضح مما قلنا أن " دينهم " يعني " دين الشرك وعبادة الأصنام " الذي كانوا يدينون به ، أما القول بأن المقصود هو " الدين الحق " وإن إضافة الدين إليهم يستند إلى كون الدين فطريا ، فيبدو بعيد الاحتمال . والاحتمال الآخر في تفسير الآية هو أن القرآن يشير إلى جمع من الكفار الذين كانوا يتعاملون مع دينهم كألعوبة وملهاة ، ولم ينظروا أبدا إلى الدين كأمر جاد يستوجب إمعان الفكر والتأمل ، أي أنهم كانوا لا يؤمنون حقيقة حتى في معتقدات شركهم ، ولم يقيموا وزنا حتى لدينهم الذي لا أساس له . على كل حال فالآية لا تخص الكفار وحدهم ، بل هي تشمل جميع الذين يتخذون من الأحكام الإلهية ومن المقدسات وسائل للتلهي وملء الفراغ وبلوغ الأهداف المادية الشخصية ، أولئك الذين يجعلون الدين آلة الدنيا ، والأحكام الإلهية ألعوبة أغراضهم الخاصة . ثم يؤمر الرسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) أن ينبههم إلى أعمالهم هذه وإلى أن هناك يوما لابد لهم أن يستسلموا فيه لنتائج أعمالهم ولن يجدوا من ذلك مفرا : وذكر به أن تبسل نفس بما كسبت ( 1 ) .
--> 1 - " البسل " هو حفظ الشئ ومنعه بالقوة والقهر ، والإبسال حمل المرء على التسليم ، كما تطلق الكلمة على الحرمان من الثواب ، أو أخذ الرهائن ، والجيش الباسل بمعنى القاهر الذي يحمل العدو على التسليم ، والمعنى في الآية هو تسليم المرء وخضوعه لأعماله السيئة .