الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

312

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

قوم نوح ( عليه السلام ) طلبوا منه ذلك قالوا يا نوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين ( 1 ) ونظير ذلك جاء على لسان قوم صالح ( 2 ) وكذلك فعل قوم عاد مع نبيهم هود ( 3 ) . ويستفاد من سورة الإسراء أن هذا الطلب قد تكرر لرسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، حتى أنهم قالوا له : إننا لا نؤمن لك أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفا ( 4 ) . كان الدافع إلى هذه الطلبات غير المعقولة السخرية والاستهزاء ، أو الرغبة في رؤية المعجزة ، وفي كلتا الحالتين كان الطلب أحمقا ، إذ في الحالة الثانية يكون تحقق الطلب سببا في إبادتهم ، ولا يكون ثمة مجال للاستفادة من ظهور المعجزة ، وفي الحالة الأولى كان لدى الأنبياء أدلة بينة توفر - على الأقل - احتمال التصديق عند كل ناظر بصير ، فكيف يمكن مع هذا الاحتمال أن يطلب أحد القضاء على نفسه ، أو أن لا يأخذ المسألة مأخذ الجد ، غير أن التعصب والعناد بلاء عظيم يقفان بوجه كل فكر ومنطق . 2 - إن معنى إن الحكم إلا لله واضح ، أي أن كل أمر في عالم الخلق والتكوين وفي عالم الأحكام والتشريع بيد الله ، وبناء على ذلك إذا كان لرسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) أن يقوم بمهمة فذلك أيضا بأمر من الله . فإذا أحيا المسيح ( عليه السلام ) ميتا - مثلا - فهو بإذن الله ، وكذلك كل منصب - بما في ذلك القيادة الإلهية والتحكيم والقضاء - إذا أوكل إلى أحد ، فإنما هو بأمر الله تعالى . ولكن الذي يؤسف له أن هذه الآية الواضحة استغلت على مدى التأريخ ، فمرة تمسك بها الخوارج في قضية " الحكمين " التي أرادوها هم وأمثالهم في

--> 1 - هود ، 32 . 2 - الأعراف ، 77 . 3 - الأعراف ، 70 . 4 - الإسراء ، 91 .