الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

295

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

لكم عندي خزائن الله . " الخزائن " جمع الخزينة ، بمعنى المكان الذي تخزن فيه الأشياء التي يراد حفظها وإخفاؤها عن الآخرين ، واستنادا إلى الآية : وان من شئ إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم ( 1 ) يتضح أن " خزائن الله " تشمل مصدر ومنبع جميع الأشياء ، وهي في الحقيقة تستقي من ذات الله اللامتناهية منبع جميع الكمالات والقدرات . ثم ترد الآية على الذين كانوا يريدون من رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) أن يكشف لهم عن جميع أسرار المستقبل ، بل ويطلعهم على ما ينتظرهم من حوادث لكي يدفعوا الضرر ويستجلبوا النفع ، فتقول : ولا أعلم الغيب . سبق أن قلنا إنه لا يكون أحد مطلعا على كل شئ إلا إذا كان حاضرا وشاهدا في كل مكان وزمان ، وهو الله وحده ، أما الذي يكون وجوده محددا بمكان وزمان معينين فلا يمكن بالطبع أن يطلع على كل شئ ، ولكن ما من شئ يحول دون أن يمنح الله جزءا من عمله هذا إلى الأنبياء والقادة الإلهيين لإكمال مسيرة القيادة ، حسبما يراه من مصلحة ، وهذا بالطبع لا يكون علما بالغيب بالذات ، بل هو " علم بالغيب بالعرض " أي أنه تعلم من عالم الغيب . هنالك آيات عديدة في القرآن تدل على أن الله لا يظهر علمه هذا للأنبياء والقادة الإلهيين وحدهم ، بل قد يظهره لغيرهم أيضا ، ففي الآيتين ( 26 و 27 ) من سورة الجن نقرأ : عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول . لا شك أن مقام القيادة ، وخاصة القيادة العالمية العامة ، يتطلب الاطلاع على كثير من المسائل الخافية على عامة الناس ، فإذا لم يطلع الله مبعوثيه وأولياءه على علمه ، فإن مراكزهم القيادية لن تكون كاملة ( تأمل بدقة ) .

--> 1 - الحجر ، 21 .