الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
296
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
وإذا تجاوزنا ذلك ، فإننا نلاحظ أن بعض الكائنات الحية لابد لها أن تعلم الغيب للمحافظة على حياتها ، فيهبها الله ما تحتاجه من علم ، فنحن - مثلا - قد سمعنا عن بعض الحشرات التي تتنبأ في الصيف بما سيكون عليه الجو في الشتاء ، أي أن الله قد وهبها هذا العلم بالغيب ، لأن حياتها ستتعرض لخطر الفناء دون هذه المعرفة ، وسوف نفصل هذه الموضوع أكثر إن شاء الله عند تفسير الآية ( 188 ) من سورة الأعراف . في الجملة الثالثة رد على الذين كانوا يتصورون النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ملكا ، أو أن يصاحبه ملك ، وان لا يتصف بما يتصف به البشر من تناول الطعام والسير في الطرقات ، وغير ذلك ، فقال : ولا أقول لكم إني ملك إن أتبع إلا ما يوحى إلي . يتضح من هذه الآية بجلاء أن كل ما عند رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) من علم ، وكل ما فعله كان بوحي من السماء ، وإنه لم يكن يفعل شيئا باجتهاده ولا بالعمل بالقياس ولا بأي شئ آخر كما يرى بعض - وإنما كان يتبع الوحي في كل أمر من أمور الدين . وفي الختام يؤمر رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) أن يقول لهم : هل يمكن للذين يغمضون أعينهم ويغلقون عقولهم فلا يفكرون أن ينظر إليهم على قدم المساواة مع الذين يرون الحقائق جيدا ويتفهمونها ؟ قل هل يستوي الأعمى والبصير أفلا تتفكرون . إن ذكر هذه الجملة في أعقاب الجملات الثلاث السابقة قد يكون لأن رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) سبق أن قال : لا أقول لكم عندي خزائن الله وولا أعلم الغيب ولا أقول لكم إني ملك بل إن اتبع إلا ما يوحى إلي ، ولكن هذا كله لا يعني إنني مثلكم ، أيها المشركون ، بل أنا إنسان بصير بالواقع بينما المشرك أشبه بالأعمى ، فهل يستويان ؟