الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
276
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
الالهام الغريزي ، فليس ثمة دليل على أن هذه الأعمال تجري بصورة غريزية لا عقلية . ما الدليل على أن هذه الأعمال - حسبما يدل ظاهرها - ليست ناشئة عن تعقل وإدراك ؟ كثيرا ما يحدث أن الحيوان يبتكر - استجابة لظرف من الظروف - شيئا لم يسبق له أن مر به وجربه ، فالشاة التي لم يسبق لها أن رأت ذئبا في حياتها تفزع منه أول ما تراه وتدرك خطره عليها ، وتتوسل بكل حيلة لدرء خطره عنها . إن العلاقة التي تتكون بين الحيوان وصاحبه تدريجيا دليل آخر على هذا الأمر ، فكثير من الكلاب المفترسة الخطرة تعامل أصحابها - بل وحتى أطفالهم - كما يعاملهم الخادم العطوف . ويحكى الكثير عن وفاء الحيوانات وعن تقديمها كثيرا من الخدمات الإنسانية ولا شك أن هذه أمور ليس من السهل اعتبارها ناشئة بدافع الغريزة ، إذ إن الغريزة تنشأ عنها أعمال رتيبة من طراز واحد باستمرار ، أما الأعمال التي تقع في ظروف خاصة كردود فعل لحوادث طارئة غير متوقعة ، فهذه تكون إلى التعقل والإدراك أقرب منها إلى الغريزة . نشاهد اليوم أن حيوانات مختلفة يجري تدريبها لأغراض متنوعة ، فالكلاب البوليسية تدرب للقبض على المجرمين ، والحمام الزاجل لنقل الرسائل ، وحيوانات أخرى ترسل لابتياع بعض الحوائج من السوق ، وحيوانات أخرى للصيد ، وهي كلها تؤدي مهماتها بكل دقة وإتقان ( حتى أنهم افتتحوا مؤخرا مدارس خاصة لتعليم مختلف الحيوانات ) ! فضلا عن ذلك كله ، فإن هناك بعض الآيات التي تدل - بوضوح - على أن للحيوانات فهما وإدراكا ، من ذلك حكاية هروب النمل من أمام جيش سليمان ، وحكاية ذهاب الهدهد إلى منطقة سبأ باليمن ورجوعه بأخبار مثيرة لسليمان . ثمة أحاديث إسلامية كثيرة حول بعث الحيوانات ، من ذلك ما روي عن