الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

195

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

ما ذهبنا إليه ، لأن القرآن ملئ بذكر أمور عن يوم القيامة استعمل فيها الزمن الماضي ، وهو إشارة إلى أن وقوعه حتمي ، أي أن مجيئه في المستقبل على درجة من الثبوت والحتمية بحيث أنه يبدو وكأنه قد وقع فعلا ، فيستعمل له صيغة الماضي . على كل حال تقول الآية الأولى : وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله . لا ريب أن المسيح ( عليه السلام ) لم يقل شيئا كهذا ، بل دعا إلى التوحيد وعبادة الله ، أن القصد من هذا الاستفهام هو استنطاقه أمام أمته وبيان إدانتها . فيجيب المسيح ( عليه السلام ) بكل احترام ببضع جمل على هذا السؤال : 1 - أولا ينزه الله عن كل شرك وشبهة : قال سبحانك . 2 - ثم يقول : ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق أي ما لا يحق لي قوله ولا يليق بي أن أقوله . فهو في الحقيقة لا ينفي هذا القول عن نفسه فحسب ، بل ينفي أن يكون له حق في قول مثل هذا القول الذي لا ينسجم مع مقامه ومركزه . 3 - ثم يستند إلى علم الله الذي لا تحده حدود تأكيدا لبراءته فيقول : إن كنت قلته فقد علمته تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك إنك أنت علام الغيوب ( 1 ) . 4 - ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن اعبدوا الله ربي وربكم ، لا أكثر من ذلك . 5 - وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شئ شهيد ( 2 ) .

--> 1 - إطلاق كلمة " نفس " على الله لا يعني الروح ، فمن معاني النفس الذات . 2 - في معنى " توفى " وكونها لا تعني موت المسيح ( عليه السلام ) أنظر ذيل الآية ( 55 ) من سورة آل عمران في المجلد الثاني .