الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

166

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

يقول علي ( عليه السلام ) : " إن الله افترض عليكم فرائض فلا تضيعوها ، وحد لكم حدودا فلا تعتدوها ، ونهى عن أشياء فلا تنتهكوها ، وسكت لكم عن أشياء ولم يدعها نسيانا فلا تتكلفوها " ( 1 ) . سؤال : قد يسأل سائل : إذا كان إفشاء هذه الأمور يتعارض مع مصلحة الناس ، فلماذا يماط اللثام عنها على أثر الإلحاح ؟ الجواب : السبب هو ما قلناه من قبل ، فالقائد إذا لزم الصمت رغم الإلحاح بالسؤال ، فقد تنجم عن ذلك مفاسد أخطر ، ويثار سوء ظن يشوب أذهان الناس ، مثل صمت الطبيب إزاء الحاح المريض في السؤال عن مرضه ، فإن ذلك يثير شكوك المريض ، وقد يحمله على الظن بأن الطبيب لم يشخص مرضه بعد ، فيهمل استعمال ما يصفه له من علاج ، عندئذ لا يسع الطبيب إلا أن يفشي له سر مرضه ، ولو سبب له ذلك بعض المشاكل . الآية التي بعدها تؤكد هذه الحقيقة ، وتبين أن أقواما سابقين كانت لهم أسئلة كهذه ، وبعد أن سمعوا أجوبتها خالفوها وعصوا : لقد سألها قوم من قبلكم ثم أصبحوا بها كافرين . وللمفسرين أقوال مختلفة بشأن تلك الأقوام ، منهم من ذهب إلى أن الأمر يخص تلامذة عيسى ( عليه السلام ) عندما طلبوا مائدة من السماء ، فعندما تحقق لهم ما أرادوا عصوا ، ويقول بعض : إنها حكاية مطالبة النبي صالح ( عليه السلام ) بمعجزة ، ولكن الظاهر أن هذه الاحتمالات بعيدة عن الصواب ، لأن الآية تتحدث عن " سؤال " عن مجهول يراد الكشف عنه ، لا عن " طلب " شئ ، ولعل استعمال كلمة " سؤال " في كلا الحالين هو سبب هذا الخطأ .

--> 1 - " مجمع البيان " ، ذيل الآية المذكورة .