الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
146
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
فتقول : ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيها طعموا ( 1 ) ولكنها تشترط لتلك التقوى والإيمان والعمل الصالح : إذا ما اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات ، ثم تكرر ذلك ثم اتقوا وآمنوا وللمرة الثالثة تكرر الآية بقليل من الاختلاف ثم اتقوا وأحسنوا ، وتنتهي بالتوكيد والله يحب المحسنين . هنالك كلام كثير بين المفسرين القدامى والمحدثين حول هذا التكرار ، فبعض يراه للتوكيد ويقول : أن أهمية التقوى والإيمان والعمل الصالح تقتضي الإعادة والتكرار والتوكيد . إلا أن جمعا آخر من المفسرين يعتقدون أن كل جملة من هذه الجمل المكررة تشير إلى حقيقة منفصلة عن الأخرى ، وأن هناك احتمالات متعددة بشأن اختلاف كل جملة عن الأخرى ، ولكن معظم هذه الاحتمالات لا يقوم عليها دليل أو شاهد . ولعل خير ما قيل بهذه الخصوص هو قولهم : أن المقصود بالتقوى في المرة الأولى هو ذلك الإحساس الداخلي بالمسؤولية والذي يسوق الإنسان نحو البحث والتدقيق في الدين ، ومطالعة معجزة الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) والبحث عن الله ، فتكون نتيجة ذلك الإيمان والعمل الصالح ، وبعبارة أخرى : إذا لم يكن في الإنسان شئ من التقوى فإنه لا يتجه إلى البحث عن الحقيقة ، وعليه فإن ورد كلمة " التقوى " لأول مرة في هذه الآية إشارة إلى هذا المقدار من التقوى ، وليس في هذا تناقض مع بداية الآية التي تقول : ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات . . . لأن الإيمان هنا يمكن أن يكون بمعنى التسليم الظاهري ، بينما الإيمان الذي يحصل بعد التقوى هو الإيمان الحقيقي . وتكرار التقوى للمرة الثانية إشارة إلى التقوى التي تنفذ إلى أعماق الإنسان
--> 1 - تطلق كلمة عام " الطعام " على المأكولات غالبا ، ولكنها قد تطلق على المشروبات أيضا ، كما جاء في الآية ( 249 ) من سورة البقرة : فمن شرب منه فليس مني ومن لم يطعمه فإنه مني .