الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
132
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
بدلا من ذلك إلى العبادة ، فأقسم أمير المؤمنين ( عليه السلام ) أن ينام من الليل أقله ويصرفه في العبادة ، وأقسم بلال أن يصوم أيامه كلها ، وأقسم عثمان بن مظعون أن يترك إتيان زوجته وأن ينقطع إلى العبادة . جاءت زوجة عثمان بن مظعون - وكانت امرأة جميلة - يوما إلى عائشة فعجبت عائشة من حالها فقالت : ما لي أراك متعطلة ؟ فقالت : لمن أتزين ؟ فوالله ما قاربني زوجي منذ كذا وكذا فإنه قد ترهب ولبس المسوح وزهد في الدنيا ، فبلغ ذلك رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، فجاء إليهم وأخبرهم أن ذاك خلاف سنته وقال : " فمن رغب عن سنتي فليس مني " ثم جمع الناس وخطبهم وقال : " ما بال أقوام حرموا النساء والطعام والطيب والنوم وشهوات الدنيا ، أما إني لست آمركم أن تكونوا قسيسين ورهبانا ، فإنه ليس في ديني ترك اللحم ولا النساء ولا اتخاذ الصوامع ، وإن سياحة أمتي الصوم ورهبانيتهم الجهاد ، اعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وحجوا واعتمروا وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وصوموا رمضان ، واستقيموا يستقم لكم ، فإنما هلك من كان قبلكم بالتشديد ، شددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم . . . " . فقام الذين كانوا قد أقسموا على ترك تلك الأمور وقالوا : يا رسول الله ، لقد أقسمنا على ذلك ، فماذا نفعل ؟ فنزلت الآيات المذكورة جوابا لهم ( 1 ) . لابد من القول بأن قسم البعض مثل قسم عثمان بن مظعون لم يكن مشروعا لما فيه من غمط لحقوق زوجته ، ولكن فيما يتعلق بقسم الإمام علي ( عليه السلام ) بإحياء الليل بالعبادة ، فإنه كان أمرا مباحا ، ولكن المستفاد من الآيات هو أن الأولى أن لا يكون ذلك بصورة مستمرة ودائمة ، ولا يتعارض مع عصمة علي ( عليه السلام ) ، لأننا نقرأ بما يشبه ذلك بالنسبة لرسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) في الآية الأولى من سورة التحريم : يا أيها
--> 1 - ما ذكر أعلاه في سبب النزول ، قسم منه مأخوذ من تفسير علي بن إبراهيم ، وقسم من تفسير مجمع البيان وتفاسير أخرى .