الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

129

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

أثيرت ضد المسلمين كان لليهود ضلع فيها ، بصورة مباشرة أو غير مباشرة ، ولم يتورعوا عن التوسل بأية وسيلة للتآمر ، وقليل منهم اعتنق الإسلام ، ولكننا قلما نجد المسلمين يواجهون المسيحيين في غزواتهم ، كما أن الكثيرين منهم التحقوا بصفوف المسلمين . ثم يعزوا القرآن هذا الاختلاف في السلوك الفردي والاجتماعي إلى وجود خصائص في المسيحيين المعاصرين لرسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) لم تكن موجودة في اليهود : فأولا كان بينهم نفر من العلماء لم يسعوا - كما فعل علماء اليهود - إلى إخفاء الحقائق ذلك بأن منهم قسيسين ( 1 ) . ثم كان منهم جمع من الزهاد الذين تركوا الدنيا ، وهي النقطة المناقضة لما كان يفعله بخلاء اليهود الجشعين . وعلى الرغم من كل انحرافاتهم كانوا على مستوى أرفع بكثير من مستوى اليهود : " ورهبانا " . وكثير منهم كانوا يخضعون للحق ، ولم يتكبروا ، في حين كان معظم اليهود يرون أنهم عنصر أرفع ، فرفضوا قبول الإسلام الذي لم يأت على يد عنصر يهودي : وإنهم لا يستكبرون . ثم إن نفرا منهم كانوا إذا استمعوا لآيات من القرآن تنحدر دموعهم مثل من صحب جعفر من الأحباش لأنهم يعرفون الحق إذا سمعوه : وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق . فكانوا ينادون بكل صراحة وشجاعة ، ويقولون ربنا آمنا فاكتبنا مع الشاهدين . لقد كان تأثرهم بالآيات القرآنية من الشدة بحيث أنهم كانوا يقولون : وما لنا لا نؤمن بالله وما جاءنا من الحق ونطمع أن يدخلنا ربنا مع القوم الصالحين .

--> 1 - " القسيس " تعريب لكلمة سريانية تعني الزعيم والموجه الديني عند المسيحيين .