الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

130

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

سبق أن قلنا إن هذه المقارنة كانت بين اليهود والنصارى المعاصرين لرسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، فاليهود - وإن كانوا من أصحاب الكتب السماوية - بلغت شدة تعلقهم بالمادة وحبهم لها أن انخرطوا في سلك المشركين الذين لم يكن يربطهم بهم أي وجه شبه مشترك ، مع أن اليهود في البداية كانوا من المبشرين بمجئ الإسلام ولم تكن قد دخلتهم انحرافات كالتثليث والغلو اللذين كانا عند المسيحيين ، غير أن حبهم للدنيا حب عبادة قد أبعدهم عن الحق ، بينما معاصروهم المسيحيون لم يكونوا على هذه الشاكلة . إلا أن التأريخ القديم والمعاصر يقول لنا : أن المسيحيين في القرون التي أعقبت ذلك قد ارتكبوا بحق الإسلام والمسلمين جرائم لا تقل عما فعله اليهود في هذا المجال . إن الحروب الصليبية الطويلة والدموية في القرون الماضية ، والاستفزازات الكثيرة التي يقوم بها الاستعمار ضد الإسلام والمسلمين اليوم غير خافية على أحد ، لذلك ليس لنا أن نأخذ الآيات المذكورة مأخذ قانون عام بالنسبة لجميع المسيحيين ، بل إن الآية : إذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول . . . وما بعدها دليل على إنها نزلت بحق جمع من المسيحيين الذين كانوا يعاصرون رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) . الآيتان الأخيرتان فيهما إشارة إلى مصير هاتين الطائفتين وإلى عقابهما وثوابهما ، أولئك الذين أظهروا المودة للمؤمنين وخضعوا لآيات الله وأظهروا إيمانهم بكل شجاعة وصراحة : فأثابهم الله بما قالوا جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك جزاء المحسنين ( 1 ) . وأما أولئك الذين ساروا في طريق العداء والعناد فتقول الآية عنهم : والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب الجحيم . * * *

--> 1 - " أثابهم " من الثواب ، وهي في الأصل بمعنى العودة وما يرجع إلى الإنسان من جزاء أعماله .