الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

114

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

ولكننا نعلم أن المسيحيين المنحرفين لا يقنعون باعتبار عيسى ( عليه السلام ) مجرد مبعوث من الله ، فاعتقادهم العام في الوقت الحاضر هو اعتباره ابن الله ، وأنه هو الله بمعنى من المعاني وأنه جاء ليفتدي ذنوب البشر ( ولم يأت لهدايتهم وقيادتهم ) لذلك أطلقوا عليه اسم " الفادي " أي الذي افتدى بنفسه آثام البشر . ولمزيد من التوكيد ، يقول : وأمه صديقة أي أن من تكون له أم حملته في رحمها ، ومن يكون محتاجا إلى كثير من الأمور ، كيف يمكن أن يكون إلها ؟ ! ثم إذا كانت أمه صديقة فذلك لأنها هي أيضا على خط رسالة المسيح ( عليه السلام ) ، منسجمة معه ، وتدافع عن رسالته ، لهذا فقد كان عبدا من عباد الله المقربين ، فينبغي ألا يتخذ معبودا كما هو السائد بين المسيحيين الذين يخضعون أمام تمثاله إلى حد العبادة . ومرة أخرى يشير القرآن إلى دليل آخر ينفي الربوبية عن المسيح ( عليه السلام ) ، فيقول : كانا يأكلان الطعام . فهذا الذي يحتاج إلى الطعام ، ولو لم يتناول طعاما لعدة أيام يضعف عن الحركة ، كيف يمكن أن يكون ربا أو يقرن بالرب ؟ ! وفي ختام الآية إشارة وضوح هذه الدلائل من جهة ، وإلى عناد أولئك وجهلهم من جهة أخرى ، فيقول : انظر كيف نبين لهم الآيات ثم انظر كيف يؤفكون ( 1 ) . تكرر كلمة " انظر " في الآية توجيه للنظر إلى جهتين : إلى الدلائل الواضحة الكافية لكل شخص ، وإلى رد الفعل السلبي المحير المثير للعجب الصادر من هؤلاء . ولكي يكمل الاستدلال السابق تستنكر الآية التالية عبادتهم المسيح مع أنهم

--> 1 - الإفك : كل مصروف عن وجهه الذي يحق أن يكون عليه ، والمأفوك : المصروف عن الحق ، وإن كان عن تقصيره ، ومن هنا يسمى إفكا ، لأنه يصد الإنسان عن الحق .