الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
115
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
يعلمون أن له احتياجات بشرية ، وإنه لا قدرة له على دفع الضرر عن نفسه أو نفعها ، فكيف يتسنى له دفع الضرر عن الغير أو نفعهم ؟ قل أتعبدون من دون الله ما لا يملك لكم ضرا ولا نفعا ؟ فكثيرا ما تعرض هو وأتباعه للأذى على أيدي أعدائهم ، ولولا أن الله شمله بلطفه لما استطاع أن يخطو خطوة واحدة . وفي النهاية يحذرهم من أن يظنوا أن الله لا يسمع ما يتقولونه أو لا يعلم ما يكنونه : والله هو السميع العليم . مما يلفت النظر أن مسألة كون المسيح ( عليه السلام ) بشرا ذا حاجات مادية جسمانية - وهي ما يستند إليها القرآن في هذه الآية وفي آيات أخرى - كانت من أكبر المعضلات بوجه المسيحيين الذين يدعون ألوهيته ، فسعوا إلى تبرير ذلك بشتى الأساليب ، حتى أنهم اضطروا أحيانا إلى القول بثنائية المسيح : اللاهوت والناسوت ، فهو من حيث لاهوتيته ابن الله ، بل هو الله نفسه ومن حيث ناسوتيته فهو جسم ومخلوق من مخلوقات الله ، وأمثال ذلك من التبريرات التي هي خير دلالة على ضعف منطقهم وخطله . لابد من الالتفات أيضا أن الآية استعملت " ما " بمكان " من " والتي تشير عادة إلى غير العاقل ، ولعل ذلك يفيد الشمول بالنسبة للمعبودات والأصنام المصنوعة من الحجر أو الخشب ، فيكون المقصود هو أنه إذا جاز أن يعبد الناس مخلوقا ، جازت كذلك عبادتهم الأصنام ، لأن هذه المعبودات تتساوى من حيث كونها جميعا مخلوقات ، وأن تأليه المسيح ( عليه السلام ) ضرب من عبادة الأصنام ، لا عبادة الإله . الآية التالية تأمر رسول الله ( عليه السلام ) ، بعد اتضاح خطأ أهل الكتاب في الغلو أن يدعوهم بالأدلة الجلية إلى الرجوع عن السير في هذا الطريق : قل يا أهل