الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

104

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

وهكذا يكون التأثير المعكوس للآيات الصادقة والقول المتزن في النفوس المملوءة عنادا والجاجا . وفي ختام الآية يخفف الله من حزن رسوله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) إزاء تصلب هذه الأكثرية من المنحرفين وعنادهم ، فيقول له فلا تأس على القوم الكافرين ( 1 ) . هذه الآية ليست مقصورة على اليهود - طبعا - فالمسلمون أيضا إذا اكتفوا بادعاء الإسلام ولم يقيموا تعاليم الأنبياء ، وخاصة ما جاء في كتابهم السماوي ، فلن تكون لهم منزلة ومكانة لا عند الله ، ولا في حياتهم الفردية والاجتماعية ، بل سيظلون دائما أذلاء ومغلوبين على أمرهم . الآية التالية تعود لتقرر مرة أخرى هذه الحقيقة ، وتؤكد أن جميع الأقوام وأتباع كل المذاهب دون استثناء ، مسلمين كانوا أم يهودا أم صابئين ( 2 ) أم مسيحيين ، لا ينجون ولا يأمنون الخوف من المستقبل والحزن على ما فاتهم إلا إذا آمنوا بالله وبيوم الحساب وعملوا صالحا : إن الذين هادوا والصابئون والنصارى من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون . هذه الآية ، في الحقيقة رد قاطع على الذين يظنون النجاة في ظل قومية معينة ، ويفضلون تعاليم بعض الأنبياء على بعض ، ويتقبلون الدعوة الدينية على أساس من تعصب قومي ، فتقول الآية إن طريق الخلاص ينحصر في نبذ هذه الأقوال . وكما أشرنا في تفسير الآية ( 62 ) من سورة البقرة ، التي تقترب في مضمونها من مضمون هذه الآية سعى بعضهم بجد ليثبت أن هذه الآية تعتبر دليلا على " السلام العام " وعلى أن أتباع جميع الأديان ناجون ، وأن يتجاهل فلسفة نزول الكتب السماوية بالتتابع الذي يدل على تقدم الإنسان في مسيرته التكاملية

--> 1 - " فلا تأس " من الأسى ، بمعنى الغم والحزن . 2 - الصابئون هم أتباع يحيى أو نوح أو إبراهيم ، وقد ذكرناهم بتفصيل أكثر في المجلد الأول .