مؤسسة آل البيت ( ع )

36

مجلة تراثنا

والمقام ليس كذلك ، فإن الحبس الصادر عن عمر لم يكن إلا عملا صدر منه ، وعرفنا من عتابه أن سبب الحبس هو أن الصحابة كانوا يروون الحديث عن رسول الله صلى عليه وآله وسلم ، ولم ينههم لفظا عن رواية الحديث ، كي يكون عاما قابلا للتخصيص بقوله : أقلوا . مضافا إلى أن ما سنورده على هذا التوجيه ، وارد على فرض إرادة الخاص ويرد على هذا التوجيه ، أمور : الأول : قوله : " كان عمر شديد الإنكار على من أكثر الرواية . . . يريد ألا يتسع الناس فيها " . يرده أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم صاحب الرسالة ، والصادع بأمر الشريعة ، ومصدر الرواية والحديث ، كان يريد الاتساع في الرواية ، والاكثار منها ، وكان يحث أصحابه وأمته على سماع الحديث ، ونقله ، وتحمله ، وأدائه ، وتبليغه ، ونشره . وإن رغبة الشارع في التوسعة في الحديث والرواية مما لا ينكره عالم من علماء الإسلام ، حتى أصبحت التوسعة فيها من مفاخرهم ، وقد لقبوا كبار المحدثين ، المكثرين من حفظ الرواية والسعة فيها ، بألقاب خاصة مثل الحاكم ، والحافظ ، والحجة ، وغير ذلك ( 39 ) . فما بال عمر ، يريد أن لا يتسع الناس في الحديث والرواية ، وهي - لا تزال في عصره - غضة ، نضرة ، عبقة بأثر النبي صلى الله عليه وآله وسلم الباهر ، ويفوح منها أريج النبوة العاطر ؟ ! لماذا لا يريد عمر ، الاتساع في الحديث ، وهو سنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم التي أمر المسلمون باتباعها ، ولهم فيها برسول الله أسوة حسنة ؟ ! . ومن هم الناس الذين لا يريد اتساعهم في الرواية ؟ ! أليسوا هم - في ذلك

--> ( 39 ) أنظر كتب دراية الحديث ومصطلحه ، وخاصة " تدريب الراوي " .