مؤسسة آل البيت ( ع )
217
مجلة تراثنا
وحشاها بما لا حاجة للخلق فيه إلى معرفته ، ثم لما آل الأمر إلى بيان وجه الإعجاز على التفصيل آية فآية وسورة فسورة ، ضم شفتيه ضما ، وختم على لسانه ختما ، فلم ينبس بكلمة أو كلمتين ، ورضي من الغنيمة بالإياب ( 6 ) . وإذ صح أن السلف رحمهم الله مع تقدم الخواص منهم في علم البيان ، والتبحر في الإحاطة بحقائق المعاني ، وصدق رغبتهم في إحراز الثواب ، وحاجتهم إلى أن يكون لهم لسان صدق في الآخرين ممر الأحقاب ، لم يشتغلوا ببيان الإعجاز على التفصيل في كل آية منه ، بل أعرضوا من ذلك بواحدة مع أنهم أشاروا إلى ذلك على سبيل الاجمال ، والحال لا تخلو إما أن يقال خفي عليهم وجه الإعجاز على التفصيل على هذا الوجه ، فلم يقفوا عليه ولم يهتدوا إليه أولا . فإن قيل : خفي عليهم ولم يقفوا عليه ولم يجدوا طريقا إليه . فيقال : إذن مؤنة البحث والتنقير عنهم ساقطة ، ووجوه العذر لهم في الإعراض عن ذلك ظاهرة . ولئن لم يخف عليهم فلم لم يصرفوا معظم همهم إلى هذا الأمر العظيم ، والخطب الجسيم ، فيصنفوا ويشرحوا كما صنفوا في فروع الأحكام من الحلال والحرام ، وصنفوا في فروع الكلام ، فلم يبق إلا أن يقال : أحدث في الكل منعا منعهم عن ذلك لمصلحة رآها فيه . فهذه عدة أسئلة فليتفضل أدام الله علوه بالإجابة عنها ، والله يعصمه من الخطأ والزلل ، ويوفقه لإصابة القول والعمل ، إنه على ما يشاء قدير . تمت . * *
--> ( 6 ) مثل سائر ، أول من قاله امرؤ القيس بن حجر في بيت له ، وهو : وقد طوفت في الآفاق حتى * رضيت من الغنيمة بالإياب يضرب عند القناعة بالسلامة ، " مجمع الأمثال 1 : 295 / 1560 " .