مؤسسة آل البيت ( ع )

132

مجلة تراثنا

إلى هذه الآية من سورة براءة : ثم انصرفوا صرف الله . . . فظنوا أن هذا آخر ما نزل من القرآن ، فقال أبي بن كعب أقرأني بعدها آيتين : لقد جاءكم رسول . . . " ( 49 ) . وهكذا ترتفع جميع الشبهات حول القرآن الكريم بعد سقوط الأحاديث التي هي المناشئ الأصلية لها . . . ويبقى الكلام حول ما صنعه عثمان . . فهل جمع القرآن من جديد ؟ وكيف ؟ وبواسطة من ؟ لقد اختلفت أحاديث القوم وكلمات علمائهم في هذا المقام أيضا ، وقد أشرنا إلى بعض ذلك فيما تقدم . . ولما كان الصحيح كون القرآن مكتوبا على عهد الرسول - صلى الله عليه وآله - ومجموعا مدونا قبل عهد عثمان بزمن طويل ، بل لا دور لمن تقدم عليه في جمعه . . . فالصحيح أن الذي فعله عثمان على عهده لم يكن إلا جمع المسلمين على قراءة واحدة ، وهي القراءة المشهورة المتعارفة بينهم ، المتواترة عن النبي - صلى الله عليه وآله - . . ومنعهم عن القراءات الأخرى المبنية على أحاديث نزول القرآن على سبعة أحرف ، أما هذا العمل فلم ينتقده عليه أحد من المسلمين ، لأن مصاحف الصحابة والتابعين كانت مختلفة حتى أن بعض العلماء ألف في اختلافها كتابا خاصا ، وكان لكل من الصحابة أتباع في البلاد يقرؤون على قراءته ، ومن الطبيعي أن يؤدي الاختلاف في قراءة القرآن إلى ما لا تحمد عقباه . . . بل أعلن بعض الأصحاب تأييده لما قام به عثمان ، ورووا عن أمير المؤمنين - عليه السلام - أنه قال : " لا تقولوا في عثمان إلا خيرا ، فوالله ما فعل الذي فعل في المصاحف إلا عن ملأ منا . قال : ما تقولون في هذه القراءة ، فقد بلغني أن بعضهم يقول : إن قراءتي خير من قراءتك ، وهذا يكاد يكون كفرا . قلنا : فما ترى ؟ قال : أرى أن يجمع الناس على مصحف واحد ، فلا يكون فرقة ولا اختلاف . قلنا : فنعم ما رأيت ( 50 ) وعنه أنه قال : " لو وليت لفعلت مثل الذي

--> ( 49 ) مجمع الزوائد 7 : 35 . ( 50 ) فتح الباري 9 : 15 .