الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
48
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
إن هذا النقش الساحر الآسر للقلوب ، المبثوت في كل ناحية من نواحي هذا الكون العريض يشد إلى نفسه فؤاد كل لبيب وعقله شدا - يجعله يتذكر خالقه ، في جميع الحالات ، قائما أو قاعدا ، وحين يكون في فراشه نائما على جنبه ، ولهذا يقول سبحانه : الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم أي أنهم مستغرقون كامل الاستغراق في التفكير الحيوي حول هذا الكون الرائع ونظامه البديع ومبدعه ، ومبديه . ولقد أشير - في هذه الآية - إلى الذكر أولا ، ثم إلى الفكر ثانيا ، ويعني ذلك أن ذكر الله وحده لا يكفي ، إن الذكر إنما يعطي ثماره القيمة إذا كان مقترنا بالفكر ، كما أن التفكر في خلق السماء والأرض هو الآخر لا يجدي ولا يوصل إلى النتيجة المتوخاة ما لم تقترن عملية التفكر بعملية التذكر ، وبالتالي لا يقرن الفكر بالذكر . فما أكثر العلماء الذين يقفون - في تحقيقاتهم الفلكية والفضائية - على مظاهر رائعة من النظام الكوني البديع ، ولكنهم حيث لا يتذكرون الله ولا ينظرون إلى كل هذه المظاهر بمنظار الموحد الفاحص ، بل ينظرون إليها من الزاوية العلمية المجردة البحتة ، فإنهم لا يقطفون من هذه التحقيقات ما يترتب عليها من النتائج التربوية والآثار الإنسانية ، ومثلهم في ذلك مثل من يأكل طعاما ليقوى به جسمه فلا يكون لما يأكله أي أثر في تقوية فكره وروحه . إن التفكير في أسرار الخليقة ، وفي نظام السماء والأرض يعطي للإنسان وعيا خاصا ويترك في عقله آثارا عظيمة ، وأول تلك الآثار هو الانتباه إلى هدفية الخلق وعدم العبثية فيه ، فالإنسان الذي يلمس الهدفية في أصغر أشياء هذا الكون كيف يمكنه أن يصدق بأن الكون العظيم بأسره مخلوق من دون هدف ، ومصنوع من دون غاية ؟ لو أننا نظرنا في تركيبة نبتة معينة للاحظنا أهدافا واضحة فيها ، وهكذا نلاحظ مثل تلك الأهداف في قلب الإنسان وما فيه من حفر ، وصمامات ، وأبواب