الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
49
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
وبطون ، فكل شئ فيه مخلوق لغاية ، ومجعول لهدف ، وكذا الحال في طبقات العين ، بل وحتى الأجفان ، والأظافر ، كل واحد منها يؤدي دورا ، ويحقق غاية ، فهل يمكن أن يكون لهذه الأجزاء الصغيرة جدا بالنسبة للكون العظيم أهداف واضحة وغايات ملحوظة ، ولا يكون لمجموعه المتمثل في الظاهرة الكونية الهائلة العظيمة أي هدف مطلقا ؟ ربنا ما خلقت هذا باطلا . إن العقلاء لا يمكنهم وهم يواجهون هذه الحقيقة الساطعة إلا أن يقولوا بخشوع هذه الجملة : ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك أي ربنا إنك لم تخلق هذا العالم العظيم ، وهذا الكون الذي لا يعرف له حد ، وهذا النظام المتقن البديع الا على أساس الحكمة والمصلحة ، ولهدف صحيح ، فكل هذا آية وحدانيتك ، وكل هذا ينزهك عن اللغو والعبث . إن أصحاب العقول السليمة الواعية بعد أن يعترفوا بالهدفية في الخليقة يتذكرون أنفسهم فورا ، وكيف يعقل أن يكونوا - وهم ثمرة هذا الموجود نفسه وهذا الكون بالذات - قد خلقوا سدى ، أو جاؤوا إلى هذه الحياة عبثا ، وأنه ليس هناك من هدف سوى تربيتهم وتكاملهم ! ! إنهم لم يأتوا إلى هذه الحياة لأجل أن يعيشوا فيها أياما سرعان ما تفنى وتنقضي ، فذلك أمر لا يستحق كل هذا العناء والتعب كما لا يلبق بمكانة الإنسان ولا يتناسب مع حكمة الله العليا ، بل هناك دار أخرى تنتظرهم حيث يجدون فيها جزاء أعمالهم ، أن خيرا فخير ، وإن شرا فشر ، وفي هذه اللحظة ينتبهون إلى مسؤولياتهم ، ويسألون الله التوفيق للقيام بها حتى يتجنبوا عقابه ، ولهذا يقول : فقنا عذاب النار ثم يقول : ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته . . . ويستفاد من هذه العبارات أن العقلاء يخافون من الخزي قبل أن يخافوا من نار جهنم ، وهذا هو حال كل من يمتلك شخصية ، فإنه مستعد لأن يتحمل كل