الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
478
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
2 التفسير 3 الصلح خير : لقد قلنا سابقا - في هامش الآيتين ( 34 و 35 ) من نفس سورة النساء - إن كلمة " نشوز " مشتقة من المصدر " نشز " بمعنى " الأرض المرتفعة " وحين تستخدم هذه العبارة في شأن الرجل والمرأة تعني ذلك " التكبر " و " الطغيان " . وقد بينت الآيات السابقة حكم نشوز المرأة ، وفي هذه الآية إشارة لنشوز الرجل فالآية تتحدث عن المرأة إذا أحست من زوجها التكبر والإعراض عنها ، وتبين أن لا مانع من أن تتنازل عن بعض حقوقها ، وتتصالح مع زوجها ، من أجل حماية العلاقة الزوجية من التصدع ، فتقول : وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحا . ولما كانت المرأة تتنازل عن بعض حقوقها طوعا وعن طيب خاطر ومن غير إكراه فلا ذنب في هذا العمل ، حيث عبرت الآية عن ذلك بعبارة " فلا جناح " أي لا ذنب ، للدلالة على الحقيقة المذكورة . وعند النظر إلى سبب نزول الآية ، نستخلص منها مسألتين فقهيتين : الأولى : إن حكما مثل تقسيم أيام الأسبوع بين الزوجات ، له طابع الحق أكثر من طابع الحكم ، ولذلك فبإمكان المرأة التخلي عن هذا الحق بشكل تام إذا شاءت أو بصورة جزيئة . والمسألة الثانية : إن التراضي والتصالح لا يشترط أن يكون بالمال ، بل يصح أن يكون بالتنازل عن حق من الحقوق . بعد ذلك تؤكد الآية على أن الصلح خير وأحسن ، حيث تقول : والصلح خير وهذه الجملة الصغيرة مع أنها جاءت في مجال الخلافات العائلية ، لكنها تبين قانونا كليا عاما شاملا ، وتؤكد أن الصلح هو المبدأ الأول في كل المجالات ، وأن الخلاف والنزاع والصراع والفراق ليس له وجود في الطبع والفطرة الإنسانية السليمة ، ولذلك فلا تسوغ هذه الفطرة التوسل بالنزاع وما يجري مجراه إلا في