الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

479

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

الحالات الاستثنائية الطارئة . وهذا الأمر على عكس ما يصوره الماديون من أن الصراع من أجل البقاء هو الأصل في حياة الموجودات الحية ، ويزعمون أن التكامل يحصل من خلال هذا الصراع . وقد كان هذا النوع من التفكير سببا في بروز الكثير من النزاعات الدموية والحروب في القرون الأخيرة ، لكن الإنسان لا يقاس بالحيوانات الأخرى المفترسة بسبب ما يملكه من عقل وإحساس ، وإن تكامله يتم في ظل التعاون وليس في ظل النزاع ، ومن حيث المبدأ فإن الصراع من أجل البقاء حتى في الحيوانات لا يعتبر مبدأ مقبولا للتكامل ( 1 ) . وتشير الآية بعد ذلك مباشرة إلى أن الإنسان بسبب غريزة حب الذات التي يمتلكها تحيط به أمواج البخل ، بحيث أن كل إنسان يسعى إلى نيل حقوقه دون التنازل عن أقل شئ منها ، وهذا هو سبب ومنبع النزاع والصراع ، تقول الآية : وأحضرت الأنفس الشح . ولذلك فلو أحس كل من الزوجين بأن البخل هو منبع الكثير من الخلاف وأدركوا حقيقة البخل وأنه من الصفات القبيحة ، وسعوا لإصلاح ذات بينهم وأبدوا العفو والصفح ، فسوف لا يؤدي هذا إلى زوال الخلاف والنزاع العائلي فحسب ، بل سيؤدي أيضا إلى إنهاء الكثير من الصراعات الاجتماعية . ولكي لا يسئ الرجال استغلال هذا الحكم الوارد في الآية ، وجه الخطاب إليهم في نهايتها ودعوا إلى فعل الخير والتزام التقوى ، ونبهوا إلى أن الله يراقب أعمالهم دائما فليحذروا الانحراف عن جادة الحق والصواب ، تقول الآية في هذا المجال : وإن تحسنوا وتتقوا فإن الله كان بما تعملون خبيرا . * * *

--> 1 - من أجل معرفة تفاصيل أكثر حول هذا الموضوع راجع الجزء الثاني من هذا التفسير في فصل " الصراع من أجل البقاء " .