الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
473
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
وقد اختلف المفسرون في أي المعنيين أقرب إلى مفهوم الآية موضوع البحث . فرأى البعض منهم أن المعنى الثاني أقرب لحقيقة هذه الآية ، لأن إبراهيم ( عليه السلام ) كان يؤمن بأنه محتاج إلى الله في كل شؤونه بدون استثناء ، ولكن مفسرين آخرين يرون أنه ما دامت الآية تتحدث عن منزلة وهبها الله لنبيه إبراهيم فالمقصود بكلمة " الخليل " الواردة هو " الصديق " لأننا لو قلنا أن الله قد انتخب إبراهيم صديقا له ، يكون أقرب كثيرا إلى الذهن من قولنا أن الله انتخب إبراهيم ليكون محتاجا إليه . لأن الحاجة إلى الله لا تقتصر على إبراهيم وحده ، بل يشاركه ويساويه فيها جميع المخلوقات ، فالكل محتاجون إلى الله دون استثناء ، وكان تقول الآية ( 15 ) من سورة فاطر : يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله وهذا على عكس الصداقة والخلة مع الله التي لا يتساوى فيها كل المخلوقات . وفي رواية عن الإمام الصادق ( عليه السلام ) أنه قال : " أنه ( الله ) إنما اتخذ إبراهيم خليلا لطاعته ومسارعته إلى رضاه لا لحاجة منه سبحانه إلى خلته " وتدل هذه الرواية ( 1 ) أيضا بأن عبارة " خليل " الواردة في الآية المذكورة إنما تعني الصديق ولا تعني غيره . وعلى هذا الأساس لنرى ما الذي امتاز به إبراهيم لينال هذه المنزلة العظيمة من الله ، لقد ذكرت الروايات الواردة في هذا المجال عللا مختلفة تكون بمجملها دليلا لهذا الانتخاب ، ومن هذه الروايات قول الإمام الصادق ( عليه السلام ) " إنما اتخذ الله إبراهيم خليلا لأنه لم يرد أحدا ولم يسأل أحدا غير الله " ( 2 ) . وتفيد روايات أخرى أن إبراهيم قد حاز هذه الدرجة لكثرة سجوده لله ، وإطعامه للجياع وإقامة صلاة الليل ، أو لسعيه في طريق مرضاة الله وطاعته .
--> 1 - مجمع البيان في هامش الآية الشريفة . 2 - عيون أخبار الرضا ، وتفسير الصافي في هامش الآية المذكورة وفي تفسير البرهان الجزء الأول ، ص 417 .