الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
47
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
كله ، ويخرج ساعة بعد ساعة فينظر إلى السماء ويتلو القرآن - ويردد هذه الآيات - فمر بي بعد هدوء الليل ، فقال : يا نوف أراقد أنت أم رامق ؟ . قلت : بل رامق ببصري يا أمير المؤمنين . قال : " يا نوف طوبى للزاهدين في الدنيا الراغبين في الآخرة ، أولئك الذين اتخذوا الأرض بساطا ، وترابها فراشا ، وماءها طيبا ، والقرآن دثارا ، والدعاء شعارا . . . " ( 1 ) . 2 التفسير 3 أوضح السبل لمعرفة الله : آيات القرآن الكريم ليست للقراءة والتلاوة فقط ، بل نزلت لكي يفهم الناس مقاصدها ويدركوا معانيها ، وما التلاوة والقراءة إلا مقدمة لتحقيق هذا الهدف ، أي التفكر والتدبر والفهم ، ولهذا جاء القرآن في الآية الأولى من الآيات الحاضرة يشير إلى عظمة خلق السماوات والأرض ، ويقول : إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب ( 2 ) . وبهذا يحث الناس على التفكر في هذا الخلق البديع والعظيم ، ليصيب كل واحد منهم - بقدر استعداده ، وقدرته على الإستيعاب - من هذا البحر العظيم الذي لا يدرك له ساحل ولا قعر ، ويرتوي من منهل أسرار الخلق العذب . حقا أن هذا الكون العظيم بما فيه من نظام متقن وبديع ، ونقوش رائعة ، ولوحات خلابة كتاب بالغ العظمة ، كتاب في كل حرف من حروفه ، وكل سطر من أسطره دليل ساطع على وجود الله الخالق المبدع ووحدانيته ، وتفرده ( 3 ) .
--> 1 - سفينة البحار ، مادة نوف ، ج 2 ، ص 622 . 2 - التعبير بأولي الألباب - في هذه الآية وآيات عديدة أخرى في الكتاب العزيز - إشارة لطيفة إلى أرباب العقول ، لأن اللب من كل شئ خيره خالصه ، ولا شك أن العقل هو خير ما في الإنسان ، وهو عصارة وجوده الإنساني . 3 - لقد بحثنا في المجلد الأول من هذا التفسير في معنى اختلاف الليل والنهار وأسرارهما عند تفسير الآية 164 من سورة البقرة فراجع .