الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
354
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
وتبدأ الإشاعة بأن يختلق منافق كذبة ، ثم ينشرها بين أفراد مغرضين أو بسطاء ، ليقوموا بدورهم بالترويج لها بين أبناء المجتمع دون التحقيق فيها ، بل يهولونها ويفرعونها مما يؤدي إلى استنزاف مقدار كبير من طاقات الناس وأفكارهم وأوقاتهم ، وإلى إثارة القلق والاضطراب بينهم ، وكثيرا ما تؤدي الإشاعة إلى زعزعة الثقة بين أفراد المجتمع ، وتؤدي إلى خلق حالة من اللامبالاة والتردد في أداء المسؤوليات . ومع أن بعض المجتمعات التي تعاني من الكبت والإرهاب تعمد إلى الإشاعة كأسلوب من الكفاح السلبي ، انتقاما من الحكومات الطاغية الجائرة ، فالاشاعة بحد ذاتها تعتبر خطرا كبيرا على المجتمعات السليمة ، فإذا اتجهت الإشاعة إلى الأفراد الكفوئين من المفكرين والخبراء والعاملين في المرافق الهامة للمجتمع ، فإنها ستؤدي إلى حالة من البرود في نشاطات هؤلاء ، وقد تصادر مكانتهم الاجتماعية ، وتحرم المجتمع من خدماتهم . من هنا كافح الإسلام بشدة " اختلاق الإشاعات " والافتراء والكذب والتهمة ، مثل ما حارب نشر الإشاعات كما في هذه الآية . وتؤكد الآية في ختامها على أن الله قد صان المسلمين بفضله ولطفه وكرمه من آثار إشاعات المنافقين والمغرضين وضعاف الإيمان ، وأنقذهم من نتائجها وعواقبها الوخيمة ، ولولا الإنقاذ الإلهي ما نجي من الانزلاق في خط الشيطان إلا قليلا : ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان إلا قليلا أي أن النبي وأصحاب الرأي والعلماء المدققين هم وحدهم القادرون على أن يكونوا مصونين من وساوس الشائعات ومشيعيها ، أما أكثرية المجتمع فلابد لها من القيادة السليمة لتسلم من عواقب اختلاق الشائعات ونشرها ( 1 ) . * * *
--> 1 - يتبين مما قلناه أن عبارة " إلا قليلا " هي استثناء من ضمير " اتبعتم " ولا يوجد في الآية تقديم أو تأخير ( تأمل بدقة ) .